فهرس الكتاب

الصفحة 2467 من 9994

إنني لا أطلب منك أن تترك دراسة الهندسة ، ولا الطب ، ولا الزراعة ؛ لتطلب العلم الشرعي ، لا أطالبك بشيءٍ من هذا ، وإنما أطالبك أن تكون مهندسًا محترفًا في أعمال الهندسة وإخضاعها للدعوة إلى الله ، وخدمة الدين .

أطالبك أن تكون طبيبًا ولكنك احترفت الطب لخدمة الدين ، أطالبك أن تكون تاجرًا ولكن عبدتّ المال لخدمة رب العالمين .

من أنت ؟!!

أخي في الله ..

لو أنني سألتك هذا السؤال وقلت لك: ما اسمك عند رب العالمين ؟ فبم تجيب ؟ من أنت ؟!!

هل أنت فلان الكذاب ، أو الغشاش ، أو المرائي ، أو المنافق ، أو .. أو ؟!

أم أنت فلان المؤمن ، أو الموحد ، أو القوَّام ، أو الصوام ، أو القائم بالقسط ، أو الذكير، أو الصديق .. آهٍ .. آهٍ من أنت ؟!

أجبني ـ أخي ـ الآن ، قبل أن تنبأ به غدًا على رؤوس الأشهاد يوم تبلى السرائر ، يوم الفضيحة الكبرى فلا أبأس ولا أشقى ولا أذل منك يومئذٍ .

إني أريد أن أسألك ما هي وظيفتك عند الله ؟!!

إن أكثرنا يعمل لحساب نفسه ، ونسي الله الذي خلقه ، ما هي وظيفتك في خدام الله ؟! إن قلت لي: لا شيء . فأنت ـ أيضًا ـ لا شيء ، فإن لم يكن لك وظيفة عند ربك فلا نفع لك في هذه الدنيا ، ولا قيمة لك عند الله ، فإنما قيمة العبد عند الله حين يعظم العبد الله ، فيعظم الله في قلبه ، وإذا عظم الله في قلبك فأبدًا لا تطيق ولا تستطيع أن تجلس هكذا لا تدعو إلى طريق مولاك .

أخي الحبيب ..

لا تخادع نفسك ، فأنت على نفسك بصير ، لا تقل: كنت وكان وسوف ، فإنها حبائل الشيطان ، بل سل نفسك بصدق وفي الحال: من أنا عند الله ؟!

فإن أدركت أنك في الحضيض ، فقل لها: وحتى متى ؟! فإن تسرب إليك هاتف من يأس فذكرها بالله الرحيم ، فإن تعلقت بالرحمة ولم تعمل فهذا عين الغرور ، فمن يحسن الظن بالله يحسن العمل ، وما مآل المغترين إلا أن يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون .

وإن كنت على خير فإياك أولا أن تغتر أو تعجب ، بل سل نفسك حينئذٍ: أين شكر النعم ؟! وهل ما أنا فيه استدراج ؟ ومدار النجاة في أن تكون دائمًا في زيادة ، فإن كنت في نقصان فهنا البلية الكبرى ، لأنَّ الموت قد يفجأك على هذه الحالة ، ومازلت أنت تذكر ليلة قمتها ، ويوم بعيد صمته ، وتركن على أعمال هزيلة لا تغني عنك من الله شيئًا ، فما عساك تصنع حينها ؟

قال ابن مسعود: إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة ، وأعمال محفوظة ، والموت يأتي بغتة ، فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبته ، ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة ، ولكل زارع مثل ما زرع لا يسبق بطيء بحظه ، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له .

أخي ..

أفق من غفوتك ، وانهض من رقدتك ، فالعمر قليل ، والعمل كثير ، فإلى متى النكوص والفتور والتواني والكسل ، إلى متى هجران الطاعات ؟ وترك المندوبات ؟ بل قل: ترك الواجبات ، وآكد الفرائض المحتمات ، واستمراء المعاصي والسيئات ، والاجتراء على الوقوع في المهلكات .

إلى متى ؟! إلى متى ؟

يا نفس: بالله أجيبيني !! مادمت تعرفين أنَّك لا تساوين شيئًا عند الله ، وأنَّك رضيت بالهوان فآثرت نعيمًا فانيًا ، وزهدت في جنات خالدة ، أما تنظرين إلى من ساروا في هذا الدرب كيف فتنوا ؟ كيف ذلوا وصغروا ؟ كيف شقوا فما والله سعدوا ؟

ثمَّ بعد ذلك إلى الردى تريدين !!

لا .. لا لن أنصت لحديثك مرة أخرى . بل سأبدأ من اللحظة ، سأبدأ في الحال صفحة جديدة في عمري لا شعار لي فيها إلا الجدية في الالتزام .

ومن هنا البداية ، فاعرف اولًا من أين أوتيت ؟ وكيف قهرت جيوش النفس والشيطان حصون قلبك فأردتك ، ضع يدك في يدي ، وتعال نعمل سويًا لأجل رضا ربنا ، حتى نصل بإذن الله إلى الجنة.

أسباب ضعف الالتزام

إخوتاه

ما هي الأسباب وراء ضعف الالتزام ؟

السبب الأول: عدم الجدية في أخذ الدين .

فإننا لم نأخذ هذا الدين في الأصل بجد ، بل دخلنا فيه هوى وهواية ، وكثيرًا جدًا ما أطالبكم بأن يراجع كل منا نفسه ، فيبدأ بسبب التزامه الأول ، تدري عندما أصرخ فيمن لا يصلي لماذا لا تصلي ؟ أحتاج ـ أيضًا ـ أن أوجه صرخة أخرى لمعاشر المصلين وأنتم لماذا تصلون ؟

نعم لماذا تصلي ؟! نعم يا من أعفيت لحيتك لماذا أعفيتها ؟ لماذا ـ أخي ـ قصرت ثوبك ؟! لماذا تركت أشرطة الأغاني وأقبلت على سماع القرآن ؟! لماذا خلا بيتك من الدش والفيديو والتليفزيون ؟ لماذا ؟!!

لماذا اقتنيت مصحفًا ؟ لماذا بدأت تقرأ القرآن ؟ لماذا تحفظ القرآن ؟ لماذا تحضر دروس العلم ؟ لماذا لا تصاحب إلا مؤمنًا ؟ ….لماذا .. لماذا ؟

إن لم يكن كل هذا لله فإنه مردود عليك ، فيضمحل ويتلاشى ويتواري ويعود كأن لم يكن .

قال تعالى:"وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا" [ الفرقان / 23 ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت