لابد أن نمحص نياتنا على جمرات الإخلاص ، ارجع إلى البدايات الأولى ، اتهم نيتك ، فكثير منا التزم الدين في ظروف غير طبيعية قد تكون دفعته أو اضطرته إلى الالتزام ، وبعضنا ـ ولله الحمد ـ التزم لله مخلصًا ، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم ، لكن ارجع وصحح نيتك فهذه هو الأصل .
السبب الثاني: الترف
والترف مفسد أي مفسد ، إذ يتعلق قلب صاحبه بالدنيا ، وللأسف الشديد إنَّ أكثر الأمة اليوم يعيش ترفًا غريبًا عجيبًا دخيلاً علينا .
فالفقراء يحاولون أن يفتعلوا الترف ، ولو في بعض الأشياء ، تجده لا يجد إلا قوته الضروري ولكنه يقتطع منه من أجل أن يقتني المحمول ، ويشتري أفخر الأثاث ، ويشتري أحدث الأجهزة ، ليشتري الدش فيدخل الفساد على أهله ويقره في بيته دياثة ، وهذا يقتطع من قوت أطفاله لكي يصيّف هنا أو هناك ، والقائمة طويلة تعرفونها جيدًا ، وإلى الله المشتكى .
ترف وللأسف الشديد أمر يخجل ، فلأجل الله يشح ويبخل ، ويقدم لك الاعتذارات لضيق الوقت وضيق ذات اليد و … و… الخ لكن للدنيا وللشهوات يحارب ويدبر ويفكر .
إنه التنافس على الدنيا ، وكأنه لو لم يحصل هذه الأمور سيعيش في الضنك ، وسيبلغ به الحرج المدى ، ولا والله فما الزيادة في الدنيا إلا زيادة في الخسران .
فالغني يصاب بالبطر والكبر ، ويصبح ماله نقمة عليه في الآخرة فيصرخ يوم القيامة:"مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ" [ الحاقة /28-37]
والفقير يحلق دينه بالحقد والحسد ، ناهيك عمَّن يتكبر وهو معوز فيدخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر" [1] .
فرجل كبير السن يزني ، وملك يكذب على رعيته ولا يحتاج لذلك فإذا كذب غش ، فهنا ـ كما يقول العلماء ـ ضعف الداعي ، وتم الفعل ، فعظم الوزر.
إنها عقوبة تروع قلب أي مسلم ألا يكلمه الله ، انظر لكعب بن مالك لما خاصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كادت روحه تزهق ، تفكر في حالك ولو أتيت من تحب فوجدته معرضًا عنك أو خاصمك كيف تكون حينها ؟! ألا تشعر أنَّ الدنيا اسودت في وجهك ، ويحل بك من الضيق والحزن ما يقطع قلبك ، فما بالك أن يقاطعك الله ، لا يكلمك ، لا ينظر إليك ، يعرض عنك ، لا يزكيك ، هذا أشد من عذاب جهنم عند الموقنين المحبين الموحدين .
والثالث: عائل أي فقير وهو مع هذا مستكبر ، فأن يطغى الغني بالمال هذا أمر معروف قال تعالى:"إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" [ العلق /6-7 ] لكن فقير يتكبر فلماذا ـ يا عبد الله ـ ؟ !! وكذلك فقير مترف هذا شيء يبغضه الله تعالى .
إخوتاه ..
ولا شك أنَّ الترف أفسد أبناءنا ، فوجدنا فينا من يتفاخر يقول: أنا لا أجعل ابني في احتياج إلى شيء أبدًا فأنا ألبي له جميع طلباته ورغباته .
ومثل هذا يظن أنه أحسن إلى ولده ، وأنا أعرف أنَّ العاطفة لها دخل كبير في هذا ، بل من لا يستطيع أن يفعل ذلك يظل مهمومًا بهذه الرغبات من الأولاد والتي لا يستطيع أن يلبيها لهم ، والحقيقة أنَّ هذا ليس من التربية في شيء ، فأنت بذلك تفسد الولد ، إننا نفتقد الحكمة في التربية ، نفتقد التربية الإيمانية الصحيحة لأولادنا .
لماذا لا تربي ولدك منذ البداية على أن يتعلق بالله ، فإذا طلب شيئًا مفيدًا ولم تستطع أن تجيبه فقل له: هيا يا بني نصلي ركعتين وندعو الله فيهما ، فإنَّ الله هو الرزاق ، وهو ربنا المدبر لأمورنا ، فإذا لم يمنحنا المال الذي أستطيع به أن آتيك بما تريد ، فاعلم أنَّ هذا ليس مفيدًا لنا الآن ؛ لأنَّ الله صرفه عنَّا .
فتعلمه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله" [2] ، وليس من التربية أن تلبي جميع متطلبات أولادك فينشأ الواحد منهم عبد شهواته، كلما تاقت نفسه إلى شيء طلبه فإنَّه إن لم يجده سيسرق ويزنى ويخون من أجل أن يحقق ما يشتهي .
إن لابنك حقًا أعظم من الدنيا ، وهو أن تعلمه كيف ينجو من النار ، اللهم نجنا وأولادنا من النار . قال الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون" [التحريم / 6 ]
إخوتاه ..
نحتاج إلى صفات"الرجولة"، والرجل الحق لا يعرف الترف .
قال عمر: اخشوشنوا فإنَّ النعمة لا تدوم .