فهرس الكتاب

الصفحة 2469 من 9994

وقالت العرب قديما: وعند الصباح يحمد القوم السُّري [3] .

قال الشاعر:

ليسَ أمرُ المرءِ سهلاً كله *** إِنَّما الأمرُ سهولٌ وحزونْ

ربما قرَّتْ عيونٌ بشجى *** مُرْمضٍ قد سخنتْ عنه عيونْ

تطلبُ الراحةَ في دارِ العنا *** خابَ من يطلبُ شيئاً لا يكونْ

أيها الأحبة في الله ..

موقف لطيف جرى بين عالمين جليلين ، فقد اجتمع يومًا ابن حزم الأندلسي الفقيه الظاهري مع أبي الوليد الباجي الفقيه المالكي، وجرت بينهما مناظرة سنة 440 من الهجرة ، فلما انقضت المناظرة قال أبو الوليد الباجي لابن حزم: تعذرني فإن أكثر مطالعاتي كانت على سرج الحراس .

فأبو الوليد الباجي كان فقيرًا لا يجد مالاً ، لا يجد مصباحًا في بيته ، فاعتذر لابن حزم لأن قراءته ومذاكرته وطلبه للعلم كان على مصابيح الحراس ، فالحراس كانوا يمشون في الليل بمشاعل لحماية البلاد من اللصوص ، فكان هو يسير وراءهم يقرأ في الكتاب ، ويذاكر على ضوء مصابيح الحراس .

سبحان الله العظيم !! وهذا بقي بن مخلد المحدث المشهور صاحب المسند ، وهو أكبر من مسند الإمام أحمد بن حنبل ، الشاهد قال لتلاميذه يومًا: أنتم تطلبون العلم !!

إنني كنت أطلب العلم فلا أجد ما أتقوت به فأجمع من على المزابل أوراق الكرنب الخضراء لآكلها ، وأتعشى بها ، حتى أتي اليوم الذي بعت فيه سراويلي من أجل أن أشتري أوراقًا أكتب بها ، وجلست بلا سراويل .

قال ياقوت الحموى: فالغني أضيع لطلب العلم من الفقر .

وقال بعض المحققين: كثرة المال وطيب العيش تسد مسالك العلم إلى النفوس ، فلا تتجه النفوس إلى العلم مع الترف غالبًا ، فإن الغني قد يسهل اللهو ويفتح بابه ، وإذا انفتح باب اللهو سد باب النور والمعرفة ، فلذائذ الحياة وكثرتها تطمس نور القلب ، وتعمي البصيرة ، وتذهب بنعمة الإدراك ، أما الفقير وإن شغله طلب القوت ، فقد سدت عنه أبواب اللهو ، فأشرقت النفس ، وانبثق نور الهداية والله الموفق والمستعان .

إخوتاه ..

هذه هي القضية أن الترف مفسد ، وكثرة المال تلهى ، فاللهم أعطنا ما يكفينا ، وعافنا مما يطغينا .

وللأسف الشديد الناس في هذا الزمان لا يطلبون ما يكفيهم ، بل يطلبون ما يطغيهم ، لا يكتفون بما يرضيهم بل يطلبون ما يعليهم .

انظر لطلبة العلم الآن ، فأكثرهم لم يختم القرآن حفظًا ، والحفاظ أصبحوا ندرة ، فإذا سئلت لماذا لم تحفظ القرآن ؟!! فالجواب عادة: لأنني لا أجد الوقت .

لماذا ـ أخي ـ لا وقت عندك ، لأنك تضيعه في طلب الدنيا أو طلب شهوات النفس ، أليس لله حق في وقتك ، فاتقِِ الله . ولا حول ولا قوة إلا بالله .

السبب الثالث: رواسب الجاهلية

من أسباب ضعف الالتزام رواسب الجاهلية ، فإن أكثرنا يدخل طريق الالتزام وفي داخلة نفسه رواسب من رواسب الجاهلية مثل: حب الدنيا ، والاعتزاز بالنفس ، والآمال الدنيوية العريضة ، وعدم قبول النصيحة ، وكثرة الأكل ، وكثرة النوم ، وكثرة الكلام ، و.. و…الخ .

قال الله جل جلاله عن قوم موسى الذين لم يستطيعوا أن يدخلوا معه الأرض المقدسة قال عنهم:"فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ" [يونس /83 ] .

هؤلاء الذين أسلموا لموسى بعد السحرة ، يخبرنا الله أنهم أسلموا على خوف ، إنهم ربُّوا على القهر والذل والاستعباد ، وسياقهم كالقطيع ، نشأوا على ذلك ، عاشوا على هذا ، فلما آمنوا ظلت فيهم رواسب من هذا فلم ينجحوا مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة و السلام ، فاتعبوه ، وبدأت الجاهليات تظهر ، فتارةً قالوا:"لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً" [ البقرة /55 ] ، وتارة قالوا:"لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ" [ البقرة /61 ] ، وتارةً"قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" [المائدة /24 ] .

والشاهد أن سبب هذا أنهم آمنوا أصلاً على خوف من فرعون وملأهم ، فإذا اجتمع الالتزام مع رواسب الجاهلية ، تظل الرواسب تشدك للماضي .

كم من شباب التزم ثم نكص على عقبيه ، وأنت تعلمون أنِّي ـ والله ـ أحبكم في الله ، فلا تغضبوا مني ، فإني أحاول أن نصل معًا إلى حل ، إلى علاج لتلك الأمراض التي تفت في عضدنا ، وتطمس الجهود الدعوية المبذولة لإعلاء كلمة الله في الأرض ، فلكي نصل إلى الجنة لابد من تحمل مرارة الدواء، فهل يعز عليكم تحمل هذا في سبيل الوصول للجنة ؟‍ !!

لذلك تعالوا بنا إلى بعض السبل العلاجية لظاهرة ضعف الالتزام والفتور .

طرق العلاج من ضعف الالتزام

أولا: قف مع نفسك وقفة صادقة جادة .

لابد من وقفة جادة مع النفس ، اصدق مع نفسك ، ولا تبخل في بذل النصح لها .

قل لها: ثمَّ ماذا ؟‍ ما هي النهاية لكل ما أنت فيه من إعراض عن سبيل الله ؟‍

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت