قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً إِنَّ هَاذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً [الإنسان: 20 ـ 22] .
وفي الحديث الطويل الذي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عن آخر رجل يدخل الجنة فقال: (( حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه, تخر يد وتعلق يد, وتخر رجل وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار, فلا يزال كذلك حتى يخلص, فإذا خلص وقف عليها فقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها, قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل, فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم, فيرى ما في الجنة من خلل الباب, فيقول: رب أدخلني الجنة, فيقول له: أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار ؟ فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجاباً لا أسمع حسيسها _ أي بينه وبين النار _, قال: فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما هو فيه إليه حلم, فيقول: رب أعطني ذلك المنزل, فيقول له: لعلك إن أعطيتكه تسأل غيره, فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره, وأي منزل أحسن منه, فيعطاه فينزله, ويرى أمام ذلك منزلاً كأن ما هو فيه إليه حلم, قال: رب أعطني ذلك المنزل, فيقول الله تبارك وتعالى له: فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره, فيقول: لا وعزتك يا رب, وأي منزل أحسن منه ؟ فيعطاه فينزله ثم يسكت, فيقول الله جلّ ذكره: مالك لا تسأل ؟ فيقول: رب قد سألتك حتى استحييتك وأقسمت حتى استحييتك, فيقول الله جلّ ذكره: ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافه, فيقول: أتهزأ بي وأنت رب العزة ؟ فيضحك الرب تبارك وتعالى من قوله, فيقول الرب جلّ ذكره: لا ولكني على ذلك قادر, سَلْ, فيقول: ألحقني بالناس, فيقول إلحق بالناس, فينطلق يرمل في الجنة, حتى إذا دنا من الناس رُفع له قصر من درة فيخر ساجداً, فيقال له: ارفع رأسك مالك ؟ فيقول: رأيت ربي, أو تراءى لي ربي، فيقال له ارفع رأسك إنما هو منزل من منازلك, ثم يلقى رجلاً فيتهيأ للسجود له, فيقال له: مه ؟ فيقول: رأيت أنك ملك من الملائكة, فيقول له: إنما أنا خازن من خزانك, وعبد من عبيدك, فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر، وهو درة مجوفة, سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها, تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء, فيها سبعون باباً, كل باب يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة, كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على غير لون الأخرى, في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف, أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مُخُّ ساقها من وراء حللها, كبدها مرآته, وكبده مرآتها, إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعناً, فيقال له: أشرُف فيشْرُفُ, فيقال له: ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصرك ) ). الحديث… وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم, قالوا: يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم, قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) ). ومصداق ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: 21] .
وما أخفاه الله عنا من نعيم الجنة شيء عظيم لا تدركه عقول البشر ولا تصل إلى كنهه أفهامهم وإنما هو التقريب إلى أذهانهم عن بعض ما ألفوه واعتادوه ورأوه في الدنيا, وإلا فالمخفي عنهم أعظم كما قال تعالى: فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] والباء هنا سببية أي بسبب أعمالهم الصالحة كما وردت في عدة آيات من القرآن الكريم، ولا منافاة بينها وبين الدخول برحمة الله وإنما هي الأسباب لدخول الجنة أو العكس من ذلك في أسباب دخول النار وكما أسلفت في الخطبة السابقة بأن الأسباب للدارين لا بد من بيانهما إن شاء الله تعالى في خطب قادمة.