فهرس الكتاب

الصفحة 2577 من 9994

لقد أمر الله بأداء الحج والعمرة فقال سبحانه وتعالى: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة:196] ، مما يدل على أن كل حج وعمرة لا يتوفر فيهما التوحيد فليسا مقبولين عند الله. وقد جعل الله مناسك الحج مظاهر لتوحيده، فمن مظاهر التوحيد في الحج:

أولا: رفع الأصوات بعد الإحرام بالتلبية لله ونفي الشريك عنه وإعلان انفراده بالحمد والنعمة والملك: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك» يرددها المحرمون بين كل فترة وأخرى حتى يشرعوا في أداء المناسك.

فالحج من أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس حيث ينصرف العباد إلى مقتضى الاسترقاق ، وتظهر فيه معاني العبودية المحضة عندما تعظم شعائر الله ، ولذلك لبى أنس رضي الله عنه: «لبيك بحجة حقاً، لبيك تعبداً ورِقًا» ولبى غيره «لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل، لبيك وسعديك والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل» .

والتزم النبي صلى الله عليه وسلم قول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» .

وكلها إعلان بتوحيد الله عز وجل وإدامة للطاعة والعبودية له ، والاعتراف بفضله سبحانه، وهي في ذات الوقت مجانبة للمشركين الذين كانوا يلبون كما سبق بيانه. والمسلم يستشعر وهو يلبي قيمة العقيدة التي توحد قلوب العباد، ويعلم بتجاوب الكون من حوله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ملبٍ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني برقم (1292) ]

فالتلبية يتجلى فيها الإخلاص بأسمى معانيه، فهي كلمات عظيمة لها دلالات كبيرة في تحقيق الإيمان والتوحيد لأنها تعني الاستجابة لله تعالى بالحج كما أمر الله سبحانه، كما تشتمل على معاني المحبة والإجلال والتعظيم لله عز وجل لأن عبارة «لبيك» لا تصدر إلا لمن يحب، ولا يستحق ذلك كمالاً وتقديساً وتعظيماً إلا ربنا عز وجل، فالتلبية من اللب ولب الشئ خلاصته، والتلبية كذلك فيها إثبات لصفات الكمال لله تعالى والإقرار به مثل الكلام والسمع والقرب، كما تضمنت التلبية كل معاني التوحيد لله تعالى بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وكذلك إبطال الشرك والإلحاد.

وإعلان التلبية من المسلم هي تهيئة للنفس للاستجابة لدين الله عز وجل وشرعه، والاستعداد لقبول أوامر الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في أعمال الحج وغيرها والكف عن المحظورات وأن العبد مستعد لإصلاح شأنه ظاهرًا وباطنًا.

ثانيًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في الحج أن الله تعالى أمر بالطواف ببيته، فقال تعالى: وليطوفوا بالبيت العتيق [الحج:29] ، مما يدل على أن الطواف خاص بهذا البيت فلا يجوز الطواف ببيتٍ غيره على وجه الأرض ولا بالأضرحة ولا بالأشجار والأحجار، ومن هنا يعلم الحاج أن كل طواف بغير البيت العتيق فهو باطل وليس عبادة لله عز وجل، وإنما هو عبادة لشياطين الإنس والجن، ومن أعجب العجب أن بعض الحجاج يعتقدون أن حجهم لا يكتب له الكمال بل لا يقبل إلا إذا عادوا إلى أوطانهم وطافوا حول أضرحة الأولياء بزعمهم، فبعدًا لقومٍ لا يفقهون.

ثالثًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في الطواف بالبيت العتيق أن الطائف حين يستلم الركن اليماني والحجر الأسود يعتقد أنه يستلمهما لأنهما من شعائر الله، فهو يستلمهما طاعة لله واقتداءً برسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما استلم الحجر وقبله: «والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» .

ومن هنا يعلم المسلم أنه لا يجوز تقبيل شيء من الأبنية والأحجار إلا الحجر الأسود؛ لأن ذلك مخالف لشرع الله، ولأنها ليست من شعائر الله. بل من مناسك الجاهلية.

رابعًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في الحج أن الحاج حينما يفرغ من الطواف ويصلي الركعتين فإنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قل يا أيها الكافرون) ، وفي الثانية يقرأ (سورة الإخلاص) ، لما تشتمل عليه هاتان السورتان من توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ففي السورة الأولى البراءة من دين المشركين وإفراد الله بالعبادة ، وفي السورة الثانية إفراد الله بصفات الكمال وتنزيهه عن صفات النقص، وبذلك يعرف العبد ربه ويخلص له العبادة ويتبرأ من عبادة ما سواه من خلال هذا الدرس العملي العظيم .

خامسًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في السعي بين الصفا والمروة أن العبد يسعى؛ امتثالاً لقوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم [البقرة:158] .

ومن ذلك يتعلم المسلم أنه لا يجوز السعي في أي مكان من الأرض إلا بين الصفا والمروة ؛ لأنهما من شعائر الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت