فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
سادسًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في الحج أن أعظم الذكر الذي يقال في يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير» ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير» ، فهذا إعلان في هذا المجمع العظيم وفي هذا اليوم المبارك لتوحيد العبادة من خلال النطق بهذه الكلمة وتكرارها لأجل أن يستشعر الحاج مدلولها ويعمل بمقتضاها فيؤدي أعمال حجه خالصة لله عز وجل من جميع شوائب الشرك.
سابعًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في الحج ما شرعه الله في يوم العيد وأيام التشريق من ذكره وحده ، قال تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات [البقرة:203]
وذكر الله في هذه الأيام يتجلى في الأعمال العظيمة التي تؤدى في أيام منى من رمي الجمار وذبح الهدي وأداء الصلوات الخمس في هذه الأيام المباركة، كل هذه الأعمال ذكر لله عز وجل.
فرمي الجمار ذكر لله؛ ولهذا يقول المسلم عند رمي كل حصاة: (الله أكبر) ، وذبح الهدي ذكر لله عز وجل، كما قال تعالى: ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام [الحج:28] ، وقال تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين [الحج:36-37] .
ومن هنا يتعلم المسلم أن الذبح عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ، فلا يذبح لقبر ولا لولي ولا لجني أو مخلوق ؛ لأن الذبح عبادة وصرف العبادة لغير الله شرك .
ثامنًا: ومن مظاهر توحيد العبادة في الحج أن الله أمر بذكره أثناء أداء مناسكه وبعد الفراغ منها، فقال تعالى: فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون [البقرة:200-203] .
شعائر الحج رد على دعاة إتباع العقل
تاسعًا: ومن مظاهر التوحيد أن الحج تحدٍ لعُبَّاد العقل ، ودعوة إلى الإيمان بالغيب وإتباع الأمر المجرد بعيداً عن العادات والمألوفات والحضارة المصطنعة والمجتمع القاسي، فالبيت الحرام يزوره الناس من كل فج عميق، شعثاً غبراً متواضعين لرب ذلك البيت ومستكينين له خضوعاً لجلاله . ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم ولذلك وظف عليهم في الحج أعمالاً لا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين [العنكبوت:1-3] والحكمة ظاهرة في الصلاة والزكاة والصيام، أما أعمال الحج فلا اهتداء للعقل إلى معانيها، فلا يكون في الإقدام عليها إلا باعث الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الإتباع فقط . ولذلك قال أنس: لبيك بحجة حقاً تعبداً ورِقًا، ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها.
وعباد الرحمن إذا عرض لهم الشيطان بخاطر أو وساوس فقال لهم: سعت هاجر فلماذا تسعى ، ورمى إبراهيم لما عرض إبليس له فلماذا ترمي ؟ فاعلم أنها وسوسة ولابد من إرغام أنف الشيطان ، ولأن تخر من السماء إلى الأرض أهون عليك من أن تجد ما تجد فأنت عبد لله إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف:201] .
الحج إذعان للواحد الديان
وختامًا فالحج طاعة يتقلب بها الحاج بين المشاعر، يقيم ويرحل ويمكث ويتنقل ويخيم ويقلع ليست له حرية ولا اختيار ولا حكم إلا الامتثال فهو طوع إشارة ورهين أمر ، وهكذا كانت حياة إبراهيم وحياة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، نزول وارتحال ومكث وانتقال وعقد وحل ونقض وإبرام ووصل وهجر لا خضوع لعادة ولا إجابة لشهوة ولا اندفاع للهوى، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفه: «كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث إبراهيم» . [رواه الترمذي وقال حسن]
ولا يملك المسلم في النهاية إلا أن يهتف بقوله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام:162-163] .
والحمد لله رب العالمين