فهرس الكتاب

الصفحة 2650 من 9994

ومما يجب أن يعرف أن نصر المؤمنين حسب سنة الله في نصرهم قد يتأخر لأن الله تعالى يريد لهم النصر الأكبر والأكمل والأعظم والأدوم والأكثر تأثيراً في واقع الحياة وفي عموم الناس بعد أن يتهيأ في المؤمنين القاعدة اللازمة لاستحقاقهم هذا النصر الأكبر واستقبالهم له ، ويدل على ذلك أن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المؤمنين ، لم يحصل هذا النصر في يوم وليلة ولا في سنة واحدة ، وإنما تأخر فلم يحصل إلا بعد مضي أكثر مدة نبوته صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل هذا النصر بالغلبة والانتصار على قريش وبفتح مكة وذلك في سنة ثمان للهجرة ، أي قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنتين ، وقد دخل بسبب هذا النصر الناس في دين الله أفواجاً ، وأنزل فيه تعالى سورة: ( إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) وجاء في تفسيرها: والمعنى: نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة. وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان للهجرة ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب. وكانت تدخل في الإسلام بعد فتح مكة جماعات كثيفة من الناس فكانت القبيلة تدخل في الإسلام بأسرها بعدما كانوا يدخلون في الإسلام واحداً واحداً أو اثنين اثنين.

قد يسبق نصر المؤمنين أذى من العدو وغلبة له:

إن نصر الله تعالى للمؤمنين حسب سنته تعالى في نصرهم لا يأتي عادة دون جهد عظيم يبذلونه وتضحية يقدمونها في مدافعتهم لأهل الباطل مما قد يترتب عليه عادة أذى شديد يلحقهم من أهل الباطل وغلبة لهؤلاء المبطلين على المؤمنين. وهذا لا يتعارض مع سنة الله في نصر المؤمنين ، لأن الأمور بخواتيمها وعاقبتها. والعاقبة دائماً للمؤمنين في نصرهم على أهل الباطل. ولله الحكمة فيما يصيب المؤمنين من أذى قبل بلوغهم النصر الحاسم على أهل الباطل وعلى هذا دل القرآن الكريم وأشار إليه المفسرون ، قال تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) .

بين الله تعالى أن المؤمنين الذين يصيبهم قرح أي جراحات بسبب القتال يجب أن لا يضعف ذلك همتهم واجتهادهم في جهاد العدو ، لأنه كما أصابهم قرح فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، وعدوهم لم يفتروا لما أصابهم من القرح من محاربتكم مع كونهم مبطلين وسوء عاقبتهم ، فأنتم أيها المؤمنون أهل الحق أولى أن لا تضعفوا ولا تفتروا عن مجاهدة ومحاربة هؤلاء الأعداء المبطلين.

وقوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) أي ونديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة ، ومن هذه الحكمة: ليعلم الله الذين آمنوا (ومنها) ليتخذ منكم شهداء بأن يقتلوا في جهادهم لأهل الباطل. (ومنها) ليمحص الله الذين آمنوا (ومنها) ليمحق الكافرين. فعل ذلك من وجوه الحكمة كالسبب والعلة في تلك المداولة أي في غلبة العدو.

فالأيام في الآية الكريمة أوقات الظفر والفوز ، ومداولتها بين المؤمنين وأعدائهم أي تحويل الظفر والغلبة بينهم مرة للمؤمنين ومرة لأعدائهم ، فهذه المداولة سنة من سنن الله في تدافع أهل الحق مع أهل الباطل ، فلا عجب أن تكون الدولة مرة للمبطل ومرة للمحق ، لأن المضمون والمؤكد لصاحب الحق أن تكون العاقبة له ، والأعمال بالخواتيم. ولكن يجب أن يعرف بأن المداولة في الواقع مبنية على أعمال الفريقين فلا تكون الغلبة لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها ، فإذا كانت المداولة في النصر والغلبة بين الفريقين منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة ، فعلى المؤمنين أن يقوموا بهذه الأعمال ونحوها من مستلزمات الغلبة والنصر حتى تكون المداولة لهم لا لعدوهم.

وقال تعالى: ( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون) . وجاء في تفسيرها: الكلمة هي قوله تعالى: (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون) والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا وعلوهم عليهم في الآخرة. ولا يلزم من انهزامهم في بعض المشاهد أن يكون نقضاً للغلبة وللنصر ، فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت