فهرس الكتاب

الصفحة 2744 من 9994

طائفة ظنت أن القدر السابق يجعل الدعاء عديم الفائدة، قالوا: فإن المطلوب إن كان قد قدر فلا بد من وصوله دعا العبد أو لم يدع، وإن لم يكن قد قدر فلا سبيل إلى حصوله دعا أو لم يدع. ولما رأوا الكتاب والسنة والآثار قد تظاهرت بالدعاء وفضله، والحث عليه وطلبه، قالوا: هو عبودية محضة، لا تأثير له في المطلوب ألبتة، وإنما تعبدنا به الله، وله أن يتعبد عباده بما شاء كيف شاء.

والطائفة الثانية ظنت أن بنفس الدعاء والطلب ينال المطلوب، وأنه موجب لحصوله، حتى كأنه سبب مستقل، وربما انضاف إلى ذلك شهودهم أن هذا السبب منهم وبهم، وأنهم هم الذين فعلوه، وأن نفوسهم هي التي فعلته وأحدثته، وإن علموا أن الله خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فربما غاب عنهم شهود كون ذلك بالله ومن الله، لا بهم ولا منهم، وأنه هو الذي حركهم للدعاء، وقذفه في قلب العبد، وأجراه على لسانه.

فهاتان الطائفتان غالطتان أقبح غلط، وهما محجوبتان عن الله:

فالأولى محجوبة عن رؤية حكمته في الأسباب، ونصبها لإقامة العبودية، وتعلق الشرع والقدر بها، فحجابها كثيف عن معرفة حكمة الله سبحانه وتعالى في شرعه وأمره وقدره.

والثانية محجوبة عن رؤية مننه وفضله، وتفرده بالربوبية والتدبير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول للعبد ولا قوة له، بل ولا للعالم أجمع إلا به سبحانه، وأنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ومشيئته.

وقول الطائفة الأولى: إن المطلوب إن قدر لا بد من حصوله، وإنه إن لم يقدر فلا مطمع في حصوله، جوابه أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكروه، وهو أنه قدِّر بسببه، فإن وجد سببه وجد ما رتب عليه، وإن لم يوجد سببه لم يوجد، ومن أسباب المطلوب الدعاء والطلب اللذان إذا وجدا وجد ما رتب عليهما، كما أن من أسباب الولد الجماع، ومن أسباب الزرع البذر، ونحو ذلك. وهذا القسم الثالث هو الحق.

ويقال للطائفة الثانية: لا موجب إلا مشيئة الله تعالى، وليس ههنا سبب مستقل غيرها، فهو الذي جعل السبب سببا، وهو الذي رتب على السبب حصول المسبب، ولو شاء لأوجده بغير ذلك السبب، وإذا شاء منع سببية السبب، وقطع عنه اقتضاء أثره، وإذا شاء أقام له مانعا يمنعه عن اقتضاء أثره مع بقاء قوته فيه، وإذا شاء رتب عليه ضد مقتضاه وموجبه، فالأسباب طوع مشيئته سبحانه وقدرته، وتحت تصرفه وتدبيره، يقلبها كيف شاء"."

شأن الدعاء (ص8-9) .

تحفة الذاكرين (ص 28) .

أخرجه أحمد (2/442) ، والترمذي (3373) ، وابن ماجه (3827) ، وصححه الحاكم (1/491) ، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (512) .

فيض القدير (3/12) .

تحفة الأحوذي (9/221) .

تحفة الذاكرين (ص31) بتصرف يسير.

انظر: شأن الدعاء (ص9-10) .

اقتضاء الصراط المستقيم (2/705) .

مدارج السالكين (3/108-110) .

سادساً: شروط الدعاء وواجباته:

لا يكون الدعاء مقبولا عند الله تعالى إلا إذا توفرت فيه وفي الداعي جملة من الشروط، نذكرها فيما يلي:

1-الإخلاص فيه فلا يدعو إلا الله سبحانه، فإن الدعاء عبادة من العبادات، بل هو من أشرف الطاعات وأفضلِ القربات، ولا يقبل الله من ذلك إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم، قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن:18] ، وقال تعالى: {فَادْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] ، و عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) ).

قال ابن رجب:"هذا منزع من قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] ، فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة".

وقال:"واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين, لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب، وجلب المنافع ودرء المضار، [و] لا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده لأنه حقيقة العبادة".

2-الصبر وعدم الاستعجال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي ) ).

وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل ) ). قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (( يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء ) ).

ومعنى يستحسر: ينقطع.

قال ابن حجر:"وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء، وهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الإجابة؛ لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار".

وقال ابن القيم:"ومن الآفات التي تمنع أثر الدعاء أن يتعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت