فهرس الكتاب

الصفحة 2895 من 9994

ضنك في كل شيء .. ضنك في أسباب الحياة المادية والمعنوية .. ضنك في أسباب الحياة الفردية والجماعية .. ضنك في أسباب الحياة الداخلية والظاهرية .. ضنك لا يكاد ينفك عنه أحد إلا إذا أقبل على الله وعلّق قلبه بالله ، وأفضى بعوالج ولواعج قلبه ونفسه إلى خالقه ومولاه ، لا يمكن أن يتخلص من همه وغمه إلا بتلك المناجاة و التضرع إلى الله ، والإقبال على الله ؛ فإنه لا يسد فاقة القلب ولا يلمّ شعثه إلا الإقبال على الله ، ولا يمكن لأحد أن يطلب تلك السعادة والراحة إلا من هذا الطريق ، وإلا فإنه محجوب مردود على عقبه ، غير بالغ مقصده ولا نائل أربه ، وتلك الحقيقة تنطق بها الآيات وتشهد بها الوقائع في حياة الناس ، وهذه كلمات أخرى تدل على ذلك وتؤكده في كل صور الحياة النفسية والقلبية التي يحتاجها كل إنسان على سبيل العموم .. وكل مؤمن مسلم على سبيل الخصوص .

إن في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته ، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع إليه والفرار منه إليه ، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوب ، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والإخلاص له ، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً .

وها نحن - أيها الأخوة الأحبة - نوضح هذه الحقيقة فهل إلى مراجعةٍ من سبيل ؟ وهل إلى مصارحة من طريق تجعلنا ندخل السرور إلى نفوسنا ونذهب الهم والحزن عن قلوبنا ونشيع اللذة والحبور والسرور في أرواحنا ؟ استمعوا إلى النداء القرآني العجيب: { ففروا إلى الله }

وكل شيء خفته فررت منه .. وكل شيء يمكن أن يكون سبباً ولو بتقدير في شيء من ضر لا يتصور أن يكون علاجه وبرؤه منه .. لكنها الحقيقة الربانية { ففروا إلى الله } .

كلما أظلمت الدنيا في وجوهكم فروا إلى الله .. كلما تعاظمت المشكلات والصعوبات فروا إلى الله ..كلما ضاقت الصدور وقست القلوب فروا إلى الله .. كلما جمدت الأعين وقحطت الدموع فروا إلى الله .. كلما لذت الألسن وأكثرت من الباطل فروا إلى الله .. تجدوا عنده كل ما يملأ قلوبكم ونفوسكم أنسا وسعادة وسروراً ، وذلك أمره بين وقد فقهه أسلافنا وعلمائنا وأئمتنا وهو أمر لا يحتاج إلى ذلك كله ، فهو أمر يفقهه ويعرفه - بل - يذوقه ويستشعره كل مؤمن يقبل على الله ويقف بين يديه ويتوسل إليه ويتضرع إليه وذلك مما تشهد به وقائع أحوالنا عندما تتغير أحوالنا في بعض الأوقات عند الملمات أو في المناسبات والطاعات نشعر بأثر ذلك ، ونشعر بلذة في لحظات نقيسها ونزنها بسنوات وسنوات ؛ لأنه ليس هناك أثقل ولا أجمل ولا أفضل من تلك السعادة النفسية الروحية التي فيها هدوء البال ، وسكينة النفس ، وطمأنينة القلب ، ورشد العقل ، وسكينة تفيض على الإنسان كل هذه المعاني القيمة الحسنة .

قال إبراهيم ابن شيبان:"من أراد أن يكون معدوداً في الأحرار مذكوراً في الأبرار فليخلص عبادة ربه"

إنه بدون ذلك التعلق تبقى عبدا مأسورا لحاجتك ذليلا لمن تمد إليه يدك غير الله مقهورا لكل من تخافه غي الله سبحانه وتعالى ، أما إذا علقت القلب به وأخلصت النية له ووجهت القصد والوقت والجهد في طاعته ومرضاته فأنت حر الأحرار .. وأنت بر الأبرار .. وأنت الناجي من عذاب النار بإذنه سبحانه وتعالى ، وكذلك نجد هذا في ما كان يقوله أسلافنا .. سئل ذو النون رحمه الله فيما يجد العبد الخلاص وكلنا نسأل هذا السؤال كلنا نريد الخلاص كلنا يريد النجاة ، كلنا يريد السعادة فقال رحمه الله:"الخلاص في الإخلاص ، فإذا أخلص تخلص".

تخلّص من كل هم دنياه ، تخلص من كل تسلط أعدائه ، تخلص من كل حاجات نفسه الدنية الدنيوية ؛ ليبقى سامياً عالياً مرتقياً على الدنيا وما فيها ، وعلى أهل الدنيا جميعاً ؛ فإن قوّته وصلته بالله تعطيه من الغنى والاستغناء مالا يكون ، أهل الأرض كلهم يوازون عنده جناح بعوضة كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة مؤمن ) .

ونحن لنا مطامع إذا علقناها بالله وجدنا الخير والسعادة والحرية ، وإذا علقناها بأسباب الحياة لم نجد ما يشبع النهمة ويروي الظمأ ثم كنا أسرى ضعفاء لا نستطيع أن نحقق مرادنا في دنيانا ، وربما نخشى أن لا نحقق نجاتنا في أخرانا ، قال ابن تيمية رحمه الله:"كلما طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ، ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته عما سواه فكما أن طمعه في المخلوق يهذّب عبوديته له فإنه يكون فيأسره عما يوجب غنى قلبه عنه"

كما قيل: استغن عمن شئت تكن نضيره وأفضل على من شئت تكن أميره واحتج إلى من شئت تكن أسيره فان احتجت إلى غير الله فأنت أسيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت