وتأمل - أخي المؤمن - ماذا تريد من الدنيا وماذا تريد في الآخرة ؟ اسأل نفسك وتلمس الإجابة ؛ فإنك تجدها كلها متعلقة بأمر الله وطاعته وتعليق القلب به وربط الحبال بما عنده سبحانه وتعالى ، ألست تريد تكثير الحسنات وتكفير السيئات ؟! استمع لقوله تعالى: { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً } .
ألست تريد العلم والفقه والفهم ؟ استمع لقول الله تعالى: { واتقوا الله ويعلمكم الله } .
ألست تريد الفرج والرزق ورغد العيش ؟ استمع لقول الله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } .
ألست تريد الفرح والسرور والسعادة ؟ استمع لقول الله: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } .
المعين عذب متدفق ، فأين الواردون الشاربون ؟ والطريق واضح مستقيم ، فأين السالكون المشمرون ؟
تأملوا لنجد أن شقاءنا مغروس في نفوسنا بما أعرضت عن ذكر الله وبما فرطت من التعلق بالله - سبحانه وتعالى - لنجد أن كل ما نحتاج إليه كما أسلفنا القول في بدء حديثنا مبدئه ومنتهاه .. أوله وآخره .. سرائه وضرائه .. دنياه وأخراه مرتبط بحقيقة التعلق بالله .. ألستم تعرفون أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ ألسنا نحفظ قوله: ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر وليس ذلك لأحد الا للمؤمن ) ؟
ألسنا نعرف فقه الابتلاء الذي يزيل الهمّ والغمّ وينفس الكرب في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا تعب ولا هم ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) ، ألسنا نعرف وصيته العظيمة قالها لغلام في مقتبل عمره: ( احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك رفعت الأقلام وجفت الصحف )
أين نحن من هذا ؟ نسأل الله - عز وجل - أن يردنا إلى كتابه وإلى هدي رسوله ، وأن يروي ظمأ قلوبنا ، وأن يطهّر كَدَرَ نفوسنا بالإقبال عليه والتعلق به والإنابة إليه والخوف منه والرجاء فيه .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
نموذج نتلمس فيه كل ما قلناه من تلك المعاني ، نموذج في فريضة الصلاة التي افترضها الله - عز وجل - علينا في كل يوم خمس مرات ؛ لنرى كيف يمكن أن تكون هذه الصلاة هي سعادة دنيانا ، ونجاة أخرانا وراحة نفوسنا ، وطمأنينة قلوبنا ، وانشراح صدورنا ، وهدوء بالنا ، ولذة حياتنا ، وسعادة أفراحنا { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } .
كلما ادلهمت الخطوب وعظمت الرزايا فلنفعل ما كان يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، ألق فيها همك .. واطرح فيها بين يدي ربك شكواك .. وارفع إليه مناجاتك .. وتضرع إليه فإن ذلك يحقق لك كل طمأنينة وسكينة ، وتأملوا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يوجز الدنيا ومتعها ويجعل الكفة الراجحة في سعادة القلب والنفس في هذه الصلاة: ( حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة ) .
تلك من متع الدنيا لكن قرة العين ، وهي منتهى السعادة ، وغاية اللذة وقمة السرور وأقصى ما يجد الإنسان فيه راحته وسعادته ، في الصلاة تلقي همك وتبث شكواك إلى ربك ومولاك ، فأي شيء من هم يبقى بعد ذلك ؟
وكان - عليه الصلاة والسلام - ينادي بلالاً فيقول: ( أرحنا بها يا بلال ) .
راحةٌ من كل تعب .. وهدوء من كل صخب .. وسعادة من كل شقاء .. نجدها في تعليق القلوب إلى الله في تعليق القلوب بالله وصدود الجباه لعظمته - سبحانه وتعالى - وتسبيح الألسنة له وذكرها له - سبحانه وتعالى - ونرى ذلك واضحاً فيما بينته سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف نزيل الكدر والهم والغم ؟ كيف نطهر الأبدان والأرواح ؟
( أرأيتم لو أن نهرا غمرا يجري بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا: لا يا رسول الله ، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ) .