فهرس الكتاب

الصفحة 2920 من 9994

قبل الإجازات، يَعقدون الجلسات غير المباركة عن معاقد عزمهم في شد الرحال إلى مجاري الأنهار وشواطيء البحار في بلاد الكفار أو بلاد تشبهها، يفرون من الحر اللافح إلى البرد القارس، وما علموا أن الكل من فيح جهنم ونَفَسها الذي جعله الله لها في الشتاء والصيف.

رحلات عابثة تفتقرإلى الهدف المحمود والنفع المنشود، أدنى سوءها الإسراف والتبذير، ناهيكم عما يشاهد هنالك من محرمات ومخازي لا يُدرى كيف يبيح المرء لنفسه أن يراها، وماذا سيجيب الله عن قوله:"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم."

الجُل من السياح نهارهم في دُجنة وليلهم جَهْوَري، ألذ ما عند بعضهم سمر العشاق أو شَغل المشغولين بالفراغ. عبادتهم ندر وغوايتهم غمر. يأكلون الأرطال ويشربون الأسطال، ويسهرون الليل وإن طال، حتى يصير الصبح ليلا ً والليل صبحا ً، فيختل الناموس الذي خلق الليل والنهار من أجله. فلا يُرخي الليل سدوله إلا وقد سَحب اللهو ذيوله. وتمشت البلادة في عظام المرء حتى تترقى إلى هامه وتسْلم العقل، فيُخلع ثوب الوقار ويُلاطف بعبث مشين في سَفْسَف أو باطن من الأمر.

ومن ثم، تُعد تلك السجايا من السياحة الجاذبة. وكم يقال حينها:

هل لساهر في مثل هذا من نُزْح *** أو هل لليله من صبح

هيهات ثم هيهات، فتلك ليال طُف أجنحتها وظل أصحابها، وكيف يُرجى تقطيع ليال وافية الذوائب ممتدة الأطناب بين المشارق والمغارب؟"وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا". ولا بِدْع حينئذ إذا عكست آمال هؤلاء وخابت أعمالهم فلم يرجعوا من سياحتهم إلا بنفاد المال في الدنيا وسوء المغبة في الأخرى.

إننا أيها المسلمون نحتاج حقيقة ً إلى مصارحة مع أنفسنا وإلى استحضار عقولٍ وقلوبٍ ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إننا لنساءل رواد السياحة بأوضح صور الصراحة، فنقول لهم: أفيدونا، يا هداكم الله: ما هي إيجابيات السياحة؟ وما هي سلبياتها؟ والجواب، أن ظننا فيهم، أن يقولوا:"إيجابياتها تكمن في التعرف على البلدان ومعرفة حضارات الأقوام ومشاهدة المناظر الخلابة والآثار العامرة.."والرابع، يقال على إستحياء:"قتل الأوقات ومجاراة الناس!"

وأما السلبيات فسيجيب عنها غيورون عقلاء على أنها"لا حصر لها،"غير أن من أبرزها:"السفر إلى بلاد الكفر،"والتي نهانا النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الإقامة بها، وكذا"السفر بلا مَحْرم عند البعض،"ومثله"التساهل في الحجاب بالنقص منه أو نزعه بالكلية!"وكذا"رؤية المنكرات والعري والإختلاط بين الجنسين ورؤية الكفر بالله ورسوله وانتهاك محارم الله،"وقولوا مثل ذلك في الإسراف والتبذير، ناهيكم عن البعد عن جو الإيمان وطاعة الله: فلا أذانٌ يُسمع ولا قرآنٌ يُتلى ولا ذكرٌ لله، إلا ما شاء الله. ومن دَعته محبته لله إلى أن يؤدي فريضة الله، فعلى إستحياء أو تخوف أو في أماكن صخب يتعذر معها معرفة القبلة أو وقت الصلاة أو أن يفقه مما أدى شيئا!

وأما ندرة الطعام الحلال، فحدثوا عن ذلك ولا حرج. أضافة إلى خطورة ما ذكر على الأطفال والشباب والفتيات، وما يَعلق في أذهانهم من حب اللهو والإحساس بأن ما عند أولئك خيرٌ مما عندنا، وأننا نعيش في أجواء الكبت والمحاصرة وقيد الحرية!

وأمثال ذلك أضعاف مضاعفة، بيد أن الحاصل في الأمر هو أن الإثم في السياحة المزعومة أكبر من النفع، والسلب أضعاف الإيجاب. ولو نظرنا إلى الخمرة، والتي يجمع المسلمون طُرا ً على تحريمها، يقول عنها، جل شأنه:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما."وإذا كنا قد ذكرنا آنفا أن السياحة على وجه العزلة للتعبد، منهي عنها، فكيف بالسياحة على وجه اللهو واللعب: ألا إن النهي أشد والمغبة أسوأ. ولو لم يكن في ذلك إلا أن المرء يذهب بنفسه وذويه إلى بلاد السوء وأرض المعاصي والكفر بالله، فلا يدري: أيُختم له في بلد الإسلام، أم في بلد الكفر؟ أفي جو الطاعة والإيمان، أم في جو المعصية وأماكن اللهو والعبث؟ والأعمال بالخواتيم!

ألا تسمعون، يا رعاكم الله، إلى ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ً وأكمل المئة بالراهب، حتى أتى عالما ً فقال له العالم:"ومن يَحُول بينك وبين التوبة؟ إنطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أ ُناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم. ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء."فانطلق، حتى إذا نَصَف الطريق، أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فجعلوا مَلكا حكما، فقال:"قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له."فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجُعل من أهلها! فيالله، أين أنتم يا عشاق السياحة؟ لقد كان مصير هذا التائب، الخائف الوجل، متعلقا ً بمدى قربه من أي القريتين! ألا ما أصعب الجواب، وما أسحق الهوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت