فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وبعد، فثم سؤال آخر يطرح نفسه، ليَبين من خلاله وجه التناقض بين مآرب السياح وأرباب السياحة، وبين ما ألِفه بعضهم من جو الحفاظ والتدين. وصورة السؤال هي:"يا أيها السائح: هل أنت ممن سيقرأ دعاء السفر، إذا أردت السياحة في بلاد اللهو؟"فإن كان باحثا ً عن الحق، فسيقول:"وهل يغفل المرء المسلم دعاء السفر؟"قلنا له:"فماذا تقول في دعائك؟"فسيجيبنا:"أقول الدعاء المشهور: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا: البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى."فنقول له:"حسبك قف! لقد قلت: البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى! فأين محل البر والتقوى والعمل المُرضي في سفرك؟! أيكون مشاهدة المنكر برا ً أو تقوى؟ أيكون الجلوس أمام ما يغضب الله برا ً أو تقوى؟؟ أن ذلك كله مما لا يُرضي الله، وأنت تسأله من العمل ما يُرضيه! ألا تدري ما هو البر؟ إن أجمع ما يصوره هو قوله، جل وعلا:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون."ألا تدري مالتقوى؟"إنما يتقبل الله من المتقين."ألا تدري مالعمل الذي يُرضي الله؟"إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه.""
ألا فاتقوا الله، معاشر المسلمين. وليس عيبا ً أن يقع أمرؤ في الخطأ، وإنما العيب، كل العيب، أن يتمادى فيه ويكابر!
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والثبات على دينك واتباع سنة نبيك، صلى الله عليه وسلم. اللهم ارزقنا من السعادة والطمأنينة والرضا بالمقسوم ما يغنينا عما عند غيرنا. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر والحكمة. أقول ما سمعتم وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله. أما بعد:
فيا أيها الناس: إن ما مضى ذكره حول السياحة، بين المفهوم الصحيح والمفهوم الخاطيء وما أشرنا إليه من جهة التحريم والنهي، فإن المنع قد يُرفع عند الضرورة الملجئة، وللضرورة أحوالها. بَيْد أن هناك أمرا يجدر الإهتمام به وهو أن هذا المنع لا يدل من قريب ولا من بعيد على ألا يكون للمسلمين ما يسمى على لغة الكثيرين:"التنشيط السياحي."أو بعبارة أخرى أصح:"فرص إستغلال الأوقات،"لأجل أن يستغنوا عن السفر إلى بلاد الكفار أو ما يشابهها. وفي الوقت نفسه، لا يُفهم من هذه الدعوة أن يكون الحل في استجلاب ما عند غيرنا إلى أرضنا، فتكون الثمرة هي فحسب 'إستبدال المواقع!' فيكون حشفا وسوء كيل. بل ينبغي أن يكون الأمر أعظم وأجل. إنه مبني على كوننا مسلمين، نعمل ونسعى ونرتقي من خلال ما شرعه الله لنا. فإنشاء الدورات الصيفية والجمعيات الخيرية من تحفيظ للقرآن، أو تنشيط ثقافي نافع أو نحو ذلك مما يُستغل به أوقات الجمهور، وإن لزم الأمر فيُقتصر حينئذ على المباح، إذ ما بعد المباح إلا ما حرم الله، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ مع الحذر الحذر أن تُقلب المفاهيم وأن تكون صورة التنشيط السياحي مثالا ً للهو والعبث والضج والضجيج والعزف والطرب، وبذل الوقت والمال فيما حرم الله ورسوله. فكم من مظاهر عريضة مفتعلة لها ضجيج وطنين يَصْدع الأسماع والأبصار تمتد ألوانها إلى أوقات متأخرة ليلا ً، ولسان الحال يقول:
يا ليل هل لك من صباح *** أم هل لصبحك من براح
ضل الصباح طريقه *** والليل ضل عن الصباح
ثم ينجلي أمرها *** فإذا هي هشيم تذروه الرياح
وإذا كنا نرى السفر إلى بلاد الكفار داءً يجب علاجه، فإن الله، جل وعلا، لم يجعل شفاء أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، فيما حرم عليها. وإن استئناس كثير من الغافلين بما حرم الله، لا يعني البتة التطلع إلى تنفيذ رغباتهم. والقاعدة الشرعية المقررة من خلال حديث النبي، صلى الله عليه وسلم، أن:"من أرضى الناس، بسَخَط الله، سَخِط الله عليه وأسخط عليه الناس. ومن أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه، وأرضى الناس عنه."
ألا وإن بذل الأوقات في الغناء واللهو لمما حرم الله ورسوله. وكلما كانت المجاهرة به أظهر، كلما كان الخطر أشد والخَطْب أدهى وأمَر. وكل أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، معافى إلا المجاهرين. عن سهل بن سعد، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال:"سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ."قيل:"ومتى ذلك يا رسول الله؟"قال:"إذا ظهرت المعازف والقَيْنات،"رواه بن ماجه والطبراني. والقينات هم المغنون والمغنيات. بل إن الأمر سيذهب إلى أبعد من هذا، إلى أن يأتي أقوام فيستحلون المعازف والأغاني على شدة ما ألِفوها واستمرؤها وقَل النكير لها. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم:"ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف،"ذكره البخاري في صحيحه.