فهرس الكتاب

الصفحة 2947 من 9994

أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - وهو أمير على الكوفة ظل يقرئ القرآن في مسجدها أربعين عاماً كل يوم ، وهو أمير ، وهو يتولى الحكم ، لكنه كان في صفته وسمته يدل على هذا العطاء المستمر والثبات على العمل ، ليست قضية ردود أفعال ، ولا سحابة صيف تنقشع ، ولا أمراً أثارته بعض العواطف المهيجة ، ثم جاء غيرها ، ونرى بعض الشباب وهو يتموج ويذهب يمنة ويسرة مع بعض هذه التقلبات العاطفية ، وخاصة نحن في عصر عولمة وإعلام وكوكبة وموجات متدفقة هنا وهناك تعبث بالعقول والعواطف عبثاً كبيراً .

وحبيب بن زيد - رضي الله عنه - وهو من أمثلة الشباب كيف ثبت لما أرسله النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى مسيلمة الكذاب فكان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، يقول مسيلمة:"قل أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن مسيلمة رسول الله"يقول: لا أسمع لا أسمع وإذا بمسيلمة بعد ذلك يبدأ في تقطيعه يقطع أذنه يجدع أنفه ، ويقطع إرباً إرباً ، وهو ثابت على هذا النهج الذي كان عليه مصعب بن عمير ، الشاب المدلل المترف المعطر ، الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما رأيت فتى أحسن لمة في أهل مكة من مصعب بن عمير ) .. لما دخل الإيمان في قلبه ، وتمكّن وأعطى عاطفته كلها لهذا المعتقد والمبدأ ، ووجه بكل أنواع الحصار والتضييق وشظف العيش لم تلن له قناة ، ولم يتغير له موقف ، ولم يتراجع في أي صورة من الصور التي أخذ بها - رضي الله عنه وأرضاه - حتى كانت بعد ذلك قصة استشهاده مضرب مثل ، بل موضع عبرة لكبار الصحابة أبكتهم سنواتٍ طوالاً بعد مصعب بن عمير - رضي الله عنه - كما ورد في الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف عند البخاري أنه كان صائماً في يوم خميس وأتي له بطعام الإفطار وكان فيه صنفين من الطعام نوعين من الطعام فقط نوعين فبكى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فتعجب الناس قالوا: ما يبكيك ؟ قال:"ذكرت مصعب بن عمير .. مات يوم أحد يوم مات ولم نجد ما نكفنه به إلا بردة إن غطينا رأسه بدا قدماه وإن غطينا قدماه بدا رأسه ، وأخشى أن نكون قد عجلت لنا طيباتنا"، بقي موقف مصعب في ثباته الفريد يوم قطعت يده اليمنى فرفع الراية بيسراه فقطعت ، فضمّها بعضديه حتى خرّ واستشهد - رضي الله عنه - على هذه الصورة من الثبات الرائع في قوة الحماسة والثبات على المنهج والمبدأ .

4-نجدة وإعانة

وينتج عن هذه الحماسة في الجلة أيضاً نجدة وإعانة ؛ لأن المتحمس يأبى أن يرى الضيم ويسكت .. يأبى أن يرى المحتاج وهو واقف لا تستجيشه تلك العاطفة إلى أن يمد يد العون ، وإلى أن يسابق ، وإلى أن يكون في الصفوف الأول في كل هيعة وفي كل ميدان من ميادين العطاء والنجدة ، ولعل قصة حنظلة بن أبي عامر - غسيل الملائكة -الذي دخل على زوجه وعروسه في ليلة عرسه ثم أصبح على ظهر الخيل مجاهدا في سبيل الله ناسيا أن يغتسل من جنابته حتى غسلته الملائكة فيما بين السماء والأرض كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك هي روح الحماسة المتدفقة في ميدانها الصحيح وفي عطائها الإيجابي .

5-امتنان وانتفاع

وبعد ذلك لا شك أن هذا كله تتسع به دائرة الامتنان في الأوساط التي يعيش فيها الشباب بهذه الروح وبهذا العطاء ، وانتفاع من حولهم بهم بدلاً من أن يكون ما قد يكون من عكس ذلك مما قد نعرج عليه في حديثنا هذا .

( مرحباً بالمتحمسين )

لا شك أيها الاخوة أنكم الآن متحمسون وأننا قد زينا الحماسة بما رحبنا به بالحماسة ، ونرحب هنا أيضا بالمتحمسين ولكن إلى أي مدى نمضي مع الحماسة ؟ وهل الحماسة أمر ما تزال تشعل ناره وتزيد أواره وتعظم من أمره دون أن يكون هناك ما يرشده أو يكمله أو يسدده ؟ طبيعة الأمور الساخنة أنها إذا اشتدت وزادت يكون فيها ما لا يتفق مع المطلوب منها ، ولا يتكامل مع الثمرة المنشودة أو الرغبة فيها ، ومن هنا فإن الحماسة في صورتين إما زيادة عن حدها وإما اختلال في مسارها لا تكون حماسة محمودة ،وتعود تلك الثمرات لتكون حسرات ومن هنا لعلنا كما قلت والموضوع شائك لا شائق وإن كان قد يصدق فيه الوصفان .

رابعاً: حسرات الحماسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت