فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهذه الحماسة تجعل الهمة عالية ، والعزيمة ماضية ، والعزة أبيّة ، والروح فتية بحيث أن هذه المشاعر تترجم إلى مواقف وإلى سمات شخصية تعد من مظاهر القوة الإيجابية ، ليس في الشباب رخاوة ، وليس في الشباب ضعف ، وإن كان حالنا اليوم أو حال بعض شبابنا قد جعلت لهم صورة أخرى في الشباب ، هي صورة الدعة والترف والرخاء ، ولكننا نقول: إن الأصل في طبيعة الشباب في التربية الصحيحة في الأجواء النقية أن يكون لهم همتهم القوية ، وعزتهم الأبية التي تجعلهم دائماً في قصب السبق والتقدم - كما سيأتي في المراحل التالية - ولعلنا نريد أن نصور بعض هذه الهمم في سير الشباب من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، والأمثلة محدودة -كما قلت - بحكم الوقت ، هذا نموذج رده النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى الاعتدال ، لكننا نرى كيف كانت القوة في أصل هذا النموذج ، عند البخاري في الصحيح من حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - مع عبد الله بن عمرو بن العاص قال له عليه الصلاة والسلام: ( ألم أخبر أنك تصوم فلا تفطر وتصلي فلا تنام وتقرأ القرآن في كل ليلة ) فقال: بلى يا رسول الله، هذا الخبر بلغه عن عبد الله بن عمرو .. انظروا إلى همته وطاقته المتدفقة كيف كان على حال لا يفطر ولا ينام ليله ويختم في كل ليلة ! نعم رده النبي النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى الاعتدال المعروف في الحديث ، لكن الشاهد عندنا هو هذه الهمة العالية القوية التي كانت عنده ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مقتبل عمره وفي بداية دعوته كانت له المواقف العظيمة في مثل هذا .
2-العمل والإنتاج
الهمة والعزة تتحول إلى عمل مثمر ، وإلى تواصل في الإنجاز ، وحرق المراحل لكي يكون هناك ثمرة ظاهرة ، ونتيجة باهرة من خلال هذه الهمة ؛ لأن صاحب الهمة لا يرضى بالقعود ، ولا يرضى بالكسل والخمول ، ولا يرضى إلا أن تكون كل ثانية من ثواني حياته مملوءة بما يتناسب مع طبيعة هذه المشاعر المتدفقة ، والعواطف المتأججة في نفسه ، ولذلك نرى كيف كان شباب الصحابة والشباب في مراحل التاريخ الإسلامي كلها في الأجواء الصحيحة ، والتربية الجادة كيف كانوا دائما يأتون بالعجائب والإنجازات الباهرة حتى في مجالات مختلفة .
لعلي أذكر مثالا في قصة زيد بن ثابت - رضي الله عنه - وهو الذي كان غلاماً صغيراً في نحو السادسة عشر من عمره ، فقال له النبي النبي عليه الصلاة والسلام كما في المسند عند الإمام أحمد: ( اقرأ حرف يهود ) يعني حتى يقرأ له أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتعلم اللغة حتى يقرأ للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما يأتيه ، فتعلم السريانية ، في بعض الروايات أنه تعلمها في خمسة عشر يوماً ، وفي بعضها في سبعة عشر يوما ، فكان يقرأ للرسول ، وكان يكتب له ، وبالمناسبة أيضاً زيد بن ثابت كانت له المهمة الفريدة التي جعل من مؤهلاتها الشباب في صحيح البخاري الحديث المشهور في جمع القرآن ، قال أبو بكر عندما استدعى زيد بن ثابت:"إنك شاب عاقل لا نتهمك كنت تكتب الوحي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وأول هذه الخصائص أنها مهمة ثقيلة تحتاج إلى قوة .. تحتاج إلى عمل متواصل أسندت إلى هذا الشاب الفتي مع ما عنده من الأمانة والعلم والخبرات السابقة ، ثم كلفه بجمع القرآن وكتابته ، ومع أن الذي كان يحدثه أبو بكر خليفة المسلمين ومعه عمر وزيره ، وهما أفضل الصحابة وأكبرهما سناً إلى غير ذلك مع ذلك كله قال بكل رباطة جأش ، وهمة تناسب الشباب قال: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا يدل على قوة هذه الشخصية ، لكن بعد أن جاءت المراجعة وانشرح صدره لذلك قال:"فوالله لو كلفني نقل جبل من مكانه لكان أهون عليّ"ثم انطلق وبدأ في هذه المهمة ، وأعانه عمر ، ووضع الشروط والضوابط والشهادة المطلوبة على كل مكتوب أنه ثبتت كتابته بأمر النبي - عليه الصلاة والسلام - أو بحضرته ، وأتم هذه المهمة على أدق وأحكم وأمتن صوة ما كانت لتكون لولا هذه الفتوة والحيوية والحماسة والقوة في حياة الشباب ، والأمر في هذا كما قلنا يطول الحديث عنه ."
3-الثبات والإصرار
كثير من الأعمال لا تعطي ثمرتها إلا مع طول الزمن ، ومع استمرارية العمل وذو النفس التي ليست فيها هذه الحماسة غالباً ما ينقطع نَفَسُه ، وينقطع عمله ، وينقطع بعد ذلك أثره ، ويطوى خبره ؛ لأن المسألة تحتاج إلى مثل هذا كما سنشير من مزايا الشباب في الحماسة أنها تعطيهم قوةً وثباتاً بشكل منقطع النظير ..