فهرس الكتاب

الصفحة 2949 من 9994

الثاني: مراعاة المصلحة الشرعية في تنزيل الحكم الشرعي على الواقع المعاصر ؛ فإن من الأمور ما قد يكون واجبا أو قد يكون مباحاً لكن إيقاعه في هذا الوقت أو في هذا المكان قد تترتب عليه مفاسد أعظم ، وقد يكون فعله في هذا الموطن محرماً ، وإن كان في أصله واجباً وهذه موازنات معروفة في مقاصد الشريعة الكلية التي ينبغي مراعاتها ، وفي القواعد الفقهية المستقاة والمستنبطة من الأدلة الكلية والفرعية في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مثل: (لا ضرر ولا ضرار ) ، وغير ذلك من القواعد المعروفة ، فهناك ما قد يصل إلى هذا مما يقع به إزهاق الأرواح وإتلاف الأموال وإفساد كثير من الأصول الثابتة التي لابد من معرفتها ، ولعلي هنا أيضا أركز في هذا المعنى ؛ لأن بعض الأفهام تتجاذبها عواطف ولا تكاد تفهم حقائق النصوص ، وإذا تأملنا في هذا الجانب ثمة أمر مهم نحن نذكره ؛ لأنه من دين الله ولابد أن نفقه ديننا وأن نعرف أن الأصل أننا متعبدون بشرع الله - عز وجل - وأنه لابد لنا أن نتأمل في حكمة الشارع ؛ لأن الشارع معصوم سواء كان ذلك في كتاب الله أو ما ثبت من سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولعلي أخص هنا موضعاً محدداً من هذه المواضع التي أصبحت فيها الفتنة عامة في كثير من مجتمعات وبلاد المسلمين .

طائفة كبيرة كثيرة من أحاديث النبي - عليه الصلاة والسلام - صحيحة في النقل وصريحة في النص في قضية ما يتعلق بالانحراف أو الفساد في ولي الأمر أو الحاكم المسلم ، وكيف يكون التعامل في هذا الشأن ، ولعلي - وأنا أستطرد هنا قليلاً - لا أقول إن هذا الحديث وهذه المحاضرة قد أعدت من قبل وإن كانت متطابقة ربما مع أحداث مؤسفة ومحزنة وقعت البارحة وفي الفترات الماضية ، نقول الذي يتحدث بهذا هو سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ليست القضية - كما قلت - عاطفية ، يذكر - عليه الصلاة والسلام - جملة من الأحاديث لو ذكرتها لطال بنا المقام ، هذه الأحاديث فيها ضبط شديد وفيها تحوط كبير وفيها ربما في صورتها الظاهرة كأنما تأتي معاكسة لما ينبغي أن يكون فيقول على سبيل المثال - عليه الصلاة والسلام - في بعض ما صحّ من هذه الأحاديث قال: ( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ) ، وفي رواية أخرى من حديث حذيفة قال: ( وإن جلد ظهره وأخذ ماله ) ، وفي رواية ثالثة عند مسلم في تفصيلات لهذا الحديث لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفتنة ، قال حذيفة رضي الله عنه في هذا الحديث يعني قال لرسول الله: أرأيت إن أتي به إلى الصفين ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: ( فليدق سيفه ) يعني فليتلف سيفه حتى لا يخوض في هذه الفتنة أو في ذلك القتال ، ونجد بعض هذه الأحاديث يفهمها ربما بعض الناس على أنها سلبية مطلقة ، وعلى أنها لا تتفق مع ما يظنه من عوميات أخرى في دين الإسلام ، ولو أننا تأملنا هذه النصوص لعرفنا حكمة عظيمة للشارع نقل ابن حجر - رحمه الله - عن ابن بطال في كتاب [ الاعتصام بالكتاب والسنة ] ، وفيه أحاديث عظيمة من مثل هذا قال يعني في مثل هذه الأوامر قال:"فيه تسكين الدهماء وحقن الدماء ؛ لأن الأمر إذا انفرط عقده عظمت الفتنة وكبرت البلية ، وصار من الفساد على أمور الدين كلها ما لم يكن موجودا بمثل هذا الأمر ولا يعني ذلك بالطبع والقطع أن أي انحراف يقر وتصبغ عليه الشرعية ، كلا دين الله - عز وجل - واضح لا يضيعه أحد في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يملك أحد تغييره ولا تبديله - وذلك من فضل الله ونعمته علينا ، فينبغي أن نعرف أننا متعبدون بالشرع ، وانظروا إلى هذه الأمثلة:"

حذيفة بن اليمان في قصته المشهورة في يوم الأحزاب ، لما طلب منه النبي أن يذهب ليرى خبر الأحزاب - أبو سفيان ومن معهم من قريش والقبائل - فتسلل حذيفة في حادثة مشهورة ويصف هو يقول: وكان أبو سفيان في مرمى سهمي إلا أني ذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تحدث شيئا حتى ترجع ) .. أبو سفيان رأس الكفر آنذاك ،وهو قائد الأحزاب وكان في مرمى سهمه ونباله ، لكنه امتثل ذلك الأمر ، والأمر قطعا كانت فيه حكمة وهو إرشاد ووحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [ النجم:3،4 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت