فهرس الكتاب

الصفحة 2950 من 9994

ومجزأة بن ثور السدوسي - رضي الله عنه - في معركة أخرى مع الروم عندما كلفه قائد المسلمين سعد ، وأتته رسالة بعد أن طال الحصار ولم يستطيعوا أن يقتحموا رسالة من بعض الروم تدلهم على منفذ تحت الأرض نفق فيه ماء فانتدب ، قال سعد لمجزأة: انظر لي رجلا من قومك خفيفاً جريئاً شجاعاً ، قال: اجعلني أنا ذلك الرجل أيها الأمير ، وقال له: لا تحدث شيئاً ، قال: وخلصت حتى رأيت الهرمزان ونازعتني نفسي في قتله إلا أني ذكرت قول سعد ، فرجع وأخذ ثلاثمائة وكلهم خاضوا ودخلوا وفتحوا من الداخل ، ليست القضية اندفاعات عاطفية وإنما هي انضباطات شرعية ومراعاة مصلحية ومنهجية في الأولوية ينبغي أن نعرفها .

4-الضياع والخسارة

كم من الشباب يندفعون في جوانب مختلفة ، ثم لا يرمون على شيء ؛ لأنهم لم يرشدوا تلك الحماسة ، ولم يجعلوها في برامج عملية وتدرج فيمضي الوقت ولا تحصل الثمرة ، وتنفق الجهود أو الأموال ولا تحصل النتيجة ، وذلك أيضا كما قلت حتى لا نطيل يزيد في الأمر ولعلي أضرب مثالا في قضية العلم مرة أخرى:

بعض الشباب في هذه الحماسة العلمية يتتبعون مسائل الخلاف وتجد الواحد بعد يوم أو يومين من بداية عنايته بالعلم أو بعنايته بالالتزام إذا به يسمع هذه المسائل الخلافية ويتحدث بها، فلان مخطئ فلان كذا ويبدد الجهود في تتبع الأخطاء وفي حفظ الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وهو لم يعرف الصحيحة بعد ولم يحفظها ولم يكون من ذلك نظرة علمية واضحة يستطيع بها أن يميز بعد ذلك الخطأ الذي قد يكون في هذه المنهجيات المختلفة .

وقد قال ابن القيم - رحمه الله - كما ورد في الفوائد في شأن أولئك الذين يتتبعون شواذ المسائل التي فيها خلافات فقط ، وهو يقول عن تجربة:"وقلّ من رأيته يفلح في هؤلاء"، ما يصل إلى ثمرة لأنه إذا صح التعبير يأخذ من كل بحر قطرة وينتهي بعد ذلك إلى ولا قطرة ، ليست هناك يعني هذه الصورة الإيجابية التي بتجميع هذه الجهود نصل إلى ثمرة هناك ضياع وخسارة .

5-التضخيم والاختلال

هناك نقاط صغيرة يمكن بالمكبرات أن ترى وهي مئات أضعاف حجمها من حماسة الناس أحياناً .. إذا تحمس لأمر جعله هو كل شيء هو مبتدأ الأمر ونهايته ، وهو أوله وغايته وهو الذي لايمكن أن ينشغل أحد بسواه ، وإذا انشغل أحد بغيره فهو ضائع وتافه ومضيع للأمور ، وهكذا تندفع العاطفة تماماً هي العاطفة بطبيعتها حتى لو اندفعت العاطفة كما نعرف عند العشاق والمحبين تختصر الدنيا كلها في المعشوق والمحبوب ، كما قال المجنون ولا بأس أن يكون هذا التفريع للشباب، يقول:

إذا قيل للمجنون: ليلى تريد أم الدنيا وما في طواياها

لقال غبار من تراب نعالها أحب لنفسي وأشفى لبلواها

يقول ابن الجوزي معلقاً:"وهذا مذهب المحبين بلا خلاف فمن أحب الله ورسوله كان أدنى شيء منهما أحب إليه من كل هذه الدنيا وما فيها".

فالمسألة الاندفاعية في العاطفة هذه قضية عظيمة ومن أمثلتها: التقديس والتبخيس والتهوين والتهويل .. من أحببناه جعلناه ذلك الرجل الذي كأنما هو ملك مبرأ من كل عيب ، أما علمه فغزير ، وأما رأيه فسديد ، وأما منطقه ففصيح ، وأما تصرفه فحكيم ، كأنما لم يكن فيه عيب مطلق ، ونحن حينئذٍ نقول:"هو الأول وهو الآخر وهو الذي ينبغي أن يكون … أين هذا من ذلك الاتزان ؟ حتى النبي - عليه الصلاة والسلام - يقول لأصحابه: ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ) ، ويقول: ( قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ) يعني يجعل هذا الاعتدال في شخصه - عليه الصلاة والسلام - وهو من هو في عظمته ومكانته عند ربه - سبحانه وتعالى - ، ولذلك مما رواه أبو هريرة وهو من حديث أنس رضي الله عنه قال: كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحب شيء إلينا رؤيته فإذا أقبل علينا لم نقم له لأنا نعرف كراهيته لذلك ."

وأحيانا إذا انتقصنا إنسانا وكان غير مقنع لنا فلا نكاد نرى له حسنة من الحسنات:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا

وهذه قضية واضحة ونعرف الأمثلة في هذا قصة سلمان - رضي الله عنه - ولا أريد أن أطيل.

إذن هل نحن الآن مع الحماسة؟ وإلا فترت حماستنا للحماسة والمتحمسين لكننا نقول:"لا للتهور"، الحماسة التي قلناها باقين على عهدنا بها وعلى تأييدنا لها .

خامساً: الحماسة المتهورة

ثم نمضي مرة أخرى إلى الحماسة المتهورة: ما أسباب هذا الذي رأيناه من قبل؟ لابد أن نعرف العلل من خلال أسبابها وبداياتها حتى نجتنبها وحتى نتقيها فالوقاية خير من العلاج أول هذه الأسباب:

1-قصور في العلم

مشكلة الجهل هي آفة الآفات ومن الجهل: جهل بسيط وجهل مركب كما تعلمون، الجهل الذي نقصده هناك غياب كثير من الأصول العلمية المهمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت