فهرس الكتاب

الصفحة 2953 من 9994

موقف أيضا لعثمان بن عفان رضي الله عنه لما كان في فترة خلافته ، تعرفون ما بدأ بعض المرجفين يشيعونه من انتقادات على عثمان - رضي الله عنه - فلما جاء موسم الحج كان عثمان - رضي الله عنه - من أخيار الصحابة يريد أن يبين للناس خطأ ما يقولونه ويفند فقال:"لأقومن في الناس مقاما لا أدع شاردة وواردة إلا أتيت عليها"يريد أن يبين للناس ، قال عبد الرحمن بن عوف:"يا أمير المؤمنين لا تفعل ؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس ورب كلمة يطيرها عنك مطير"، عقول لا تستوعب عامة الناس تذكر قضايا وإذا بها بعد ذلك تتطيش ، وهذا يأخذها يميناً وذاك يأخذها يساراً ، وهذا يفهمها على وجه ، وذاك يفهمها على وجه آخر الكلام في موضعه جعله الشاطبي - رحمه الله - من السنة وجعل الكلام في غير موضعه جعله من البدع ، كما ذكر ذلك في الاعتصام استدلالا بحديث النبي - عليه الصلاة والسلام - في حديث علي عند البخاري:"حدثوا الناس بما يعرفون أ تحبون أن يكذب الله ورسوله !"وحديث ابن مسعود في مسلم قال:"ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، وهذا أمره واضح.

في الحديبية موقف جميل للنبي - عليه الصلاة والسلام - لما أرادوا أن يكتبوا قال: ( اكتب محمد رسول الله ) قال: سهل بن عمرو لو كنا نعلم أنك رسول الله ما جادلناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، ولما قال: ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) قال: لا، لا نعرف ما الرحمن ولا الرحيم، اكتب باسمك اللهم، الرسول يقول لعلي بن أبي طالب: ( اكتب ) وعلي غير قابل لهذا ، يعني لا يرى ذلك المسألة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أوسع نظراً وعقلاً .. دع هذه الصغيرة من الأمور فقال علي:"لا أكتب"فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أرينيها ! ) فمسحها الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات بنفسه، قال لعلي: ( اكتب ) دعك من هذه القضية الصغيرة فإن هناك ما هو أكبر منها لا تجعل هذه المسألة أكبر من حجمها ، وبالتالي تجعل كل توجهك ومواجهتك وقوتك وطاقتك واعتراضك لهذه القضية ، فتستنفذ أو تقيم فيها معركة ضخمة هائلة كما نرى من بعض الشباب الآن عندما يذكرون أمرا من الشرع وسنة من السنن لكن يجعلون النفير عليها كأنها أصل الدين كله ، وربما جعلوا من ذلك كما يخرجون به إلى تفسيق أو تبديع أو تكفير من غير مثل هذا الذي ننبه الناس إليه .

2-الضبط والإحكام

وقد ذكرت في هذا ما هو مهم جدا ولعلنا نستحضر مثالاً واحداً:

في بيعة العقبة بعد أن بايع الصحابة - رضوان الله عليهم - بل قبل أن يبايعوا انظروا كيف كانت روح الحماس .. جاء أبو التيهان وفي رواية غيره قال:"اعلموا أنكم إنما تبايعون الرجل على حرب الأحمر والأسود ؛ فإن رأيتم أنكم تسلمونه فمن الآن"، أراد أن يفاصلهم وينبههم وأن يستشعر حميتهم فبايعوه ،فقال العباس بن عبيد بن نضلة - رضي الله عنه-:"يا رسول الله لو شئت أن نميل على أهل الوادي ميلة واحدة لفعلنا"في منى كان هذا الكلام في الفترة المكية، قال: لو تريد غدا أن نناجز القوم ونقاتلهم ، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نؤمر بذلك) ، ولما جاءه الخباب في الفترة المكية وقد اشتد الأذى: يا رسول الله ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا ؟ قال: ( إنه كان في من كان قبلكم من يحفر في الأرض ثم يوضع فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع في مفرق رأسه فينشر حتى ينفلق إلى نصفين ما يصده ذلك عن دينه وإنه كان يؤتى بالرجل فيمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه ) ثم قال: ( والله ليبلغن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون ) .

3-التدرج والاستثمار

لهذه العاطفة: لو أننا تدرجنا لوجدنا أننا نحصل أكثر مما نحصل بالسرعة التي ليس فيها مراعاة للواقع ولطبيعة الإنسان وإمكانياته من أحسن الأمثلة في هذا:

عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لما تولى أبوه الخلافة - ونعرف عمر كيف كان عندما تولى الخلافة ورعا وزاهدا وكان يعني يأخذ بالجد في الأمور - جاءه ابنه عبد الملك ينكر عليه ويقول: كيف تلقى الله عز وجل وفي هذا كذا وكذا، فقال له:"ألا ترضى أن لا يمر على أبيك يوم إلا وهو يميت بدعة ويحيي سنة"، ذاك الشاب يريد أن يغيرها كلها في يوم واحد ، وهذا لحكمته وأيضاً قوة إيمانه وحماسته يريد أن يجعلها في منهجية تحصل بها النتيجة ويقع بها الأثر المطلوب .

ونعرف ما كان من شأن النبي - عليه الصلاة والسلام - في عمرة القضاء في العام السابع من الهجرة طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - حول الكعبة والأصنام حولها ستون وثلاثمائة صنم ، والرسول يطوف بها بعد صلح الحديبية ، ولم يشتمها ولم يتعرض لها أبداً لأن له مجال آخر بعد عام واحد فقط في العام الثامن فتح مكة جاء ومعه محجنه - عليه الصلاة والسلام - يطعن هذه الأصنام وهي تتهاوى ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت