إذا القوم قالوا: من فتى خلت أنني عُنيتُ، فلم أكسل ولم أتبلد
متى يجدد ما حصل بين رافع بن خديج وسمرة بن جندب رضي الله عنهما - وهما صغار في السن عندما تصارعا ليفوز أحدهما بشرف الالتحاق بجيش النبي عليه الصلاة والسلام لمحاربة كفار قريش في غزوة أحد ؟
أين المبادرة ؟ حتى رأينا الشباب يستبقون إلى الموت فضلاً من أن يستبقوا إلى ميادين العلم أو الدعوة أو الجهاد وهم في سن نعدها اليوم في سنٍ صغيرة مابين قائد للجيوش في السابعة عشرة أو التاسعة عشر ، وما بين مفت للأمة كالشافعي وهو ابن التاسعة عشرة وما بين وما بين من شباب كثيرون ملئت بهم صفحات تاريخنا .. واليوم يبلغ الرجل الأربعين والخمسين وهو لا زال لا يقدم شيئا ولا يؤخر شيئا .
وأخيراً: الهمة ارتقاء
هناك همم عالية طموحة ولن تثمر جداً ولن تنبت استقلالاً ولن تنشئ مبادرةً فلا بد من تلك الهمم أن نشحذها في نفوس الشباب ، وأن نذكي نارها في قلوبهم ، وأن نجعلهم أصحاب طموح كما كان ربيعة بن كعب لما سئل عن مراده ومطلبه: ( أسألك مرافقتك في الجنة ) .
وأخيراً: وقفة في المعالي
وهي أيضاً على سبيل الإيجاز الشباب والتفوق الدراسي ، ونحن اليوم نرى نسب الرسوب كثيرة والناجحون يقنعون بالمقبول ، ونسأل الله القبول - كما يقولون - وقلة قليلة ممن تحقق نتائج متميزة وقلة من هؤلاء المتميزون يستمرون أو يبدعون أو يبتكرون ، وتأتي أمتنا من بعد في ذيل القائمة المتخلفة تخلفاً علمياً وتقنياً ؛ لأننا صرفنا الشباب عن هذا الميدان في التفوق الدراسي والعلمي والتقني ، وانشغلوا - كما قلنا - بترهات الأمور وبمفسدات العقول وبمضلات الفتن نسأل الله عز وجل السلامة .
وهنا نقول: الكثير من الجوانب نجملها في أمرين اثنين في كل منهما نقاط يسيرة:
أولاً: البواعث والعوامل لهذا التفوق
أ - الثقة مبعث القدرة
فالثقة بالنفس مبدأ مهم حتى تستطيع أن تبدأ في خطوة الإنجاز الأولى ، وكثير من الشباب بل كثير من قادة الرأي أحيانا يرون أنه لا يمكن أن يكون عندنا متفوقون كالغربيين أو الشرقيين العبقرية والعلم والاختراع لم تخلق لنا خلقت في أناس ليسو من بيئتنا ، وهنا نحطم شبابنا ويتحطم الشاب إذا لم يكن عنده ثقة في نفسه أنه يمكن أن يكون متفوقاً ، وأن يكون عالماًَ ، وأن يكون مبدعاً ، وأن يكون مخترعاً إلى غير ذلك ..
ب- التشجيع محفز الارتقاء
لا بد أن نشجع أولئك الأبناء على هذا التفوق تشجيعاً تربوياً متوازناً ، ونجعله متكاملاً ، فوسائل الإعلام تشجع على اللهو والعبث وضياع الأوقات في جوانب معينة ، ولا تقدم القدوات على أنهم - كما سبق أن قلت أصحاب - جرأة قلم ، أو ركلة قدم ، أو رنة نغم .. أو غير ذلك ؛ بل تقدّم النماذج التي تشجع حقيقة ، وهي نماذج التفوق الدراسي والعلمي ، فلابد أن يكون هذا التشجيع على كل المستويات ؛ حتى نكون عاملاً محفزاً للارتقاء .
ج- الانتباه قدرة على التركيز
وهذه من مهارات التعلم لابد أن يكون الطالب أو الشاب منتبهاً متيقظاً مركزاً حتى يستطيع باستمرار أن يحصل بسماعه سواءً في محاضرةً ، أو في حصة وفصل ، أو مجمع عام أن يكون دائم الانتباه والتركيز ليضيف إلى حصيلته من العلم ما يجعله متفوقاً .
د- الذكاء قدرة الاستنباط
ولابد من إعمار العقل وتقويته وشحذه ؛ حتى يكون عنده المقارنات ، ويكون عنده قدرة على الاستنباط والتحليل ، والعقل بطبيعته كلما شغلته زادت قدرته ، وكلما تركته - كما يقولون - في بعض النكت ورأيتها يمثلها بعض الشباب ليشيروا إلى بعض النقص أن هناك عقول للبيع فيقول هذا عقل مستهلك ومستخدم كثيراً ، ثم إذا جاء إلى العقل العربي يقول هذا عقل نظيف لم يستخدم أبداً تأخذه طازج ؛ لأنه لا يشتغل أو لا يفكر ، أو لا يعمل عقله يستحضر ذكاءه! وهذا أيضاً من ما ينبغي تجنبه الذاكرة قدرة على الحفظ ، والحفظ مهم في العلم مع الفهم ، ويخطئ من يقول: إن الفهم يستقل وحده .
وأخيراً: الإرادة هي القدرة على التفوق بالعزيمة الماضية
أما الطريق المتدرج وهو النقطة الثانية فله خطوات: الإنصات طريق التعلم ، والقراءة طريق التقدم ، والكتابة طريق التمكّن ، والدراسة طريق التفنن والتعبير - أي التعبير عن هذا كله هو طريق التحسن والإبداع في آخر الأمر - هو طريق التألق ، ولا بد من كل هذه المهارات ، ونحن نريد لشبابنا أن يأخذوا بهذا ، وأن يحرصوا عليه ، وأن لا تكون هذه الحالة التي نعاني منها - ولا شك - أننا نشعر بضرورة التكامل بين الجوانب المختلفة السيئة - التي أسلفناها - والحسنة - التي أخرناها - فإن هذه لا تكون إلا بتجنب تلك ، وإن وجود تلك سيفضي لنا إلى عدم تحقيق هذه ، نسأل الله - عز وجل - أن يحفظ شبابنا ، وأن يحفظنا جميعاً من مضلات الفتن ، ونزغات الهوى ووساوس الشيطان .