فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: (( هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ) )، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (( قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ) ).
قال سليمان آل الشيخ:"والمراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير الله وكفران نعمته، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر المنزل له بدليل قوله في الحديث: (( فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته ) )الخ، فلو كان المراد هو الأكبر لقال: أنزل علينا المطر نوء كذا، فأتى بباب السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما اعتقدوه سبباً".
وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:"فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيراً في إنزال المطر فهذا شرك وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعاً أو يدفع عنهم ضراً، وأنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا هو الشرك الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه وقتال من فعله. وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلاً، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، لكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح: أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح وجزم في الإنصاف بتحريمه ولو على طريق المجاز، وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخَّر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شركاً أصغر، والله أعلم".
ب- فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يأتي:
1-التطير:
قال ابن الأثير:"الطيَرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء. وهي مصدر تطيّر، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر".
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل ) ).
قال ابن تيمية:"وأما الطيرة بأن يكون قد فعل أمراً متوكّلاً على الله أو يعزم عليه، فيسمع كلمة مكروهة: مثل ما يتم، أو ما يفلح، ونحو ذلك فيتطيّر ويترك الأمر، فهذا منهي عنه".
وقال سليمان آل الشيخ:"قوله: (( الطيرة شرك ) )صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك لما فيها من تعلّق القلب على غير الله".
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك ) )، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: (( أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك ) ).
قال سليمان آل الشيخ:"قوله: (( من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ) )وذلك أن التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره وامتنع بها عمّا عزم عليه، فقد قرع باب الشرك بل ولجه وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، وذلك قاطع له عن مقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فيصير قلبه متعلقاً بغير الله، وذلك شرك، فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفًا لسهام الطيرة، ويقيّض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة".
2-إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم:
عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) ).
قال الخطابي:"الكاهن هو الذي يدّعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن... وكان منهم من يسمّى عرافاً، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، كالشيء يُسرق فيعرف المظنون به السرقة".
وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:"وأكثر ما يقع في هذه الأمة ما يخبر به الجن أولياءهم من الإنس عن الأشياء الغائبة بما يقع في الأرض من الأخبار فيظنه الجاهل كشفاً وكرامة، وقد اغترّ بذلك كثير من الناس، يظنون المخبِر لهم بذلك عن الجن ولياً لله، وهو من أولياء الشيطان".