فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال ابن القيم عن هذا المثل:"ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان، فالله سبحانه هو المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على عبيده سراً وجهراً، وليلاً ونهاراً، يمينه ملأى لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها شركاء لي ويعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟! هذا قول مجاهد وغيره وهو أشبه بالمراد، فإنه أظهرُ في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة".
3-وقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ اله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون:91] .
قال ابن القيم:"فتأمل هذا البرهان بهذا اللفظ الوجيز الظاهر، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل، وحينئذٍ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرّده بالملك والإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه، وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بممالكه، إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد ثلاثة أمور: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا يتصرفون فيه، بل يكون وحده هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه، وانتظامُ أمر العالم كله وإحكام أمره من أدلّ دليل على أن مدبره إله واحد وملِك واحد ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه".
4-وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاواتِ وَلاَ فِى الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:22، 23] .
قال ابن القيم:"فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسدّ بها عليهم أبلغ سدّ وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذٍ فلا بد أن يكون المعبود مالكاً للأسباب التي ينفع بها عابده، أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً أو معاوناً له، أو وجيهاً ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت موادّه، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة الملِك الحق، فنفى شركَها له، فيقول المشرك: قد يكون ظهيراً أو وزيراً أو معاوناً، فقال: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ} ، ولم يبق إلا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه".
5-وقوله تعالى: {ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] .
قال ابن القيم:"فتأمّل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه، فمن لم يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمّن إبطال الشرك وأسبابه بأوضح برهان في أوجز عبارة وأحسنها وأحلاها، وسجّل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وعاون بعضهم بعضاً بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد، ثم بيّن عجزهم وضعفهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم، فأي شيء أضعف من هذا الإله المطلوب، ومن عابده الطالب نفعه وحده؟ فهل قدّر القوي العزيز حقاً قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها؟ فأقام سبحانه حجة التوحيد، وبيّن ذلك بأعذب ألفاظٍ وأحسنها، لم يستنكرها غموض، ولم يشنها تطويل، ولم يعبها تقصير".
6-وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءالِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22] .
قال ابن سعدي:"أي: في السموات والأرض {لَفَسَدَتَا} في ذاتهما، وفسد من فيهما من المخلوقات."