فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
اليدُ العلْياَ خيرٌ مِنْ اليدِ السُّفْلَى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن وآلاه. أما بعد:
نص الحديث:
عن حكيم بن حزام-رضي الله عنه-قال:"سألت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال يا حيكمُ:"إنَّ هذاَ المَالَ خَضِرُ حُلْوٌ فَمَنْ أخذَه بسخاوةِ نفسِ بُورِكَ لَهُ فيه، وَمَنْ أخذَه بإشْرَافِ نفْسٍ لَمْ يُبَارَكَ لهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يأكلُ ولا يَشْبَع، واليدُ العلْياَ خيرٌ مِن اليدِ السُّفْلىَ"."
قال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا. حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر -رضي الله عنه-يدعو حكيمًا ليعطيه العطاء، فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر-رضي الله عنه-دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل. فقال يا معشر المسلمين: أشهدكم على حكيم، إني أعرض عليه حقه الذي قسمه الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي-صلى الله عليه وسلم-حتى توفي-رضي الله عنه-" (1) ."
معاني الكلمات:
"سألت"أي طلبت منه مالًا.
"خضر حلو"بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين أي غض شهى يميل الطبع ولا يميل عنه كما لا تمل العين من النظر إلى الخضرة والفم من أكل الحلو.
"سخاوة نفس"أي عد م الإشراف إلى الشيء.
"بورك فيه"أي أغناه القليل منه عن الكثير.
"إشراف النفس"تطلعها وطمعها بالشيء.
"يَرزَأُ"براء ثم زاي ثم همزة: أي لم يأخذ من أحد شيئًا، وأصل الرزء: النقصان: أي لم ينقص أحدًا شيئًا بالأخذ منه.
"اليد العليا"أي المعطية.
"اليد السفلى"أي السائلة.
المعنى العام:
كان النبي-صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقًا، وأهداهم إلى الخير طرقًا، فهو الذي لايرد سائلًا، ولا يخيب مؤملًا، ولا يمسك المال حبًا فيه، وحرصًا عليه، ولا ينفقه إلا في وجوه البر والإحسان، كما يأمره الله، فيتألف به القلوب، ويستميل به الأهواء، فالمئات من الإبل، والألوف من الغنم، والعدد الكثير من الدراهم والدنانير، دفعها إلى الأقرع ابن حابس، وعيينة بن حصن، وعباس بن مرادس من الأعراب، وإلى أبي سفيان، وصفوان ابن أمية، وحكيم بن حزام من قريش وغيرهم؛ فكان أعظم عامل في هدايتهم، وأكبر سبب في إسلامهم؛ وعلموا منه أنه يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وأنه لم يجعل الدنيا إلا مطية توصل إلى الآخرة، فلو قال لحكيم لا، وقد سأله المرة بعد المرة، أو منعه العطاء لوجد في نفسه شيئًا عليه، ولظن به الظنون، ولكنه في أدبه المفرد، وتعليمه السامي، وأسلوبه الحكيم، دفع إليه الكثير، وتذم له المال، وإشراف النفس إليه، فأصبح قانعًا بعد الطمع، وزاهدًا في الدنيا بعد التفاني في حبها.
فأي كلمةٍ أبلغ في ذم المسألة، والتعرض لما في أيدي الناس، من قوله صلى الله عليه وسلم"اليد العليا خير من اليد السفلى"
قال الشاعر:
أبا مالك لا تسأل الناس والتمس بكفيك فضل الله فالله أوسع
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا.
شرح الحديث:
إن حكيم بن حزام-رضي الله عنه-سأل النبي-صلى الله عليه وسلم-مالًا فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه. فكان من هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-وكرمه وحسن خلقه أنه لا يرد سائلًا سأله شيئًا، فما سئل شيئًا إلا أعطاه-عليه الصلاة والسلام-، ثم قال لحكيم:"إن هذا المال خضر حلو"خضر يسر الناظرين حلو يسر الذائقين، فتطلبه وتحرص عليه.
وقال القرطبي: أي:"روضة خضراء أو شجرة ناعمة غضة مستحلاة الطعم" (2) .
وقال النووي:"شبهه في الرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده فاجتماعهما أشد وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى ولا تراد للبقاء (3) ."
"فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه"سخاوة نفس أي بغير شره ولا إلحاح وفي رواية بطيب نفس فإن قلت السخاوة إنما هي في الإعطاء لا في الأخذ قلت ( أي النووي) : السخاوة في الأصل السهولة والسعة قال القاضي:"فيه احتمالان أظهرهما أنه عائد إلى الآخذ أي من أخذه بغير حرص وطمع وإشراف عليه, والثاني إلى الدافع أي من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه طيب النفس بورك له فيه أي انتفع به في الدنيا بالتنمية وفي الآخرة بأجر النفقة قاله القرطبي (4) ."
وقيل:"هو عائد إلى الآخذ أي بغير سؤال ولا تطلع ولا حرص, وقيل إلى الدافع أي أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه إليه لا بسؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب معه نفس الدافع (5) ."
"ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه"فكيف بمن أخذه بسؤال؟ يكون أبعد وأبعد، ولهذا قال النبي-صلى الله عليه وسلم-لعمر بن الخطاب-رضي الله عنه-:"ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" (6) يعني: ما جاءك بإشراف نفس وتطلع وتشوف فلا تأخذه، وما جاءك بسؤال فلا تأخذه.
والإشراف على الشيء الإطلاع عليه والتعرض له وقيل معنى إشراف نفس أن المسؤول يعطيه عن تكره وقيل يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة (7) .
وقوله"لم يبارك له فيه"الضمير في له يرجع إلى الآخذ وفي فيه إلى المعطى بفتح الطاء ومعناه إذ لم يمنع نفسه المسألة ولم يصن ماء وجهه لم يبارك له فيما أخذ وأنفق (8) .
فالمكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همته جمعها وذلك لعدم الفهم عن الله-تعالى- ورسوله فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة وقد أفلح من أسلم ورزق كفافًا (9) .
قوله كالذي"يأكل ولا يشبع"أي: كمن به الجوع الكاذب وقد يسمى بجوع الكلب كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا؛ لأنه يأكل من سقم كلما أكل ازداد سقمًا ولا يجد شبعًا ويزعم أهل الطب أن ذلك من غلبة السوداء ويسمونها الشهوة الكلبية وهي صفة لمن يأكل ولا يشبع قلت أي (العيني) الظاهر أنه من غلبة السوداء وشدتها كلما ينزل الطعام في معدته يحترق وإلا فلا يتصور أن يسع في المعدة أكثر ما يسع فيه وقد ذكر أهل الأخبار أن رجلًا من أهل البادية أكل جملًا وامرأته أكلت فصيلًا ثم أراد أن يجامعها فقالت بيني وبينك جمل وفصيل كيف يكون ذاك (10) .
قال النبي-صلى الله عليه وسلم-لحكيم بن حزام:"اليد العليا خير من اليد السفلى"اليد العليا هي يد المعطي، واليد السفلى هي يد الآخذ، فالمعطي يده خير من يد الآخذ؛ لأن المعطي فوق الآخذ، فيده هي العليا كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم- والحديث في البخاري.
فأقسم حكيم بن حزام-رضي الله عنه-بالذي بعث النبي-صلى الله عليه وسلم-بالحق ألا يسال أحدًا شيئًا، فقال:"يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا".
فتوفى الرسول-عليه الصلاة والسلام-، وتولى الخلافة أبو بكر-رضي الله عنه- فكان يعطيه العطاء فلا يقبله، ثم توفي أبو بكر، فتولى عمر فدعاه ليعطيه، فأبى، فاستشهد عمر عليه، فقال: اشهدوا أني أعطيه من بيت مال المسلمين فلا يقبله، قال ذلك-رضي الله عنه- لئلا يكون له حجة على عمر يوم القيامة بين يدي الله، وليتبرأ من عهدته أمام الناس، ولكن مع ذلك أصر حكيم-رضي الله عنه-ألا يأخذ منه شيئًا حتى توفي.