فهرس الكتاب

الصفحة 3022 من 9994

إخوة العقيدة، إننا بحاجة إلى تجديد المسار على ضوء السنة المطهرة،

وتصحيح المواقف على ضوء السيرة العطرة، والوقوف طويلا للمحاسبة والمراجعة. نريد

من مطالعة السنة والسيرة ما يزيد الإيمان، ويزكي السريرة، ويعلو بالأخلاق

ويقوِّم المسيرة.

يخطئ كثيرون حينما ينظرون إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته كما ينظر

الآخرون إلى عظمائهم في نواحٍ قاصرة، محدودة بعلمٍ أو عبقرية أو حِنكة. فرسولنا

صلى الله عليه وسلم قد جمع نواحي العظمة الإنسانية كلها في ذاته وشمائله وجميع أحواله، لكنه مع

ذلك ليس رباً فيقصَد، ولا إلهًا فيُعبَد، وإنما هو نبي يُطاع ورسول يُتَّبع،

خرَّج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن

مريم، إنما أنا عبدٌ فقولوا: عبد الله ورسوله».

إن من المؤسف حقاً أن بعض أهل

الإسلام لم يقدروا رسولهم صلى الله عليه وسلم حقَّ قدره حتى وهم يتوجهون إليه بالحب والتعظيم،

ذلك أنه حبٌّ سلبي لا صدى له في واقع الحياة، ولا أثر له في السلوك

والامتثال.

أمة الإسلام، تأملوا هديه وشمائله ـ بأبي هو وأمي عليه الصلاة

والسلام ـ في جوانب الدين والدنيا بأسرها.

ففي مجال توحيده لربه صدَع بالتوحيد

ودعا إليه ثلاث عشرة سنة بمكة وعشرا بالمدينة، كيف لا وهو المنزَّل عليه قوله

سبحانه: قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب

العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول

المسلمين [الأنعام:162، 163] . وإن أول واجب على محبيه أن يُعنَوا بأمر

الدعوة إلى توحيد الله التي قامت عليها رسالته عليه الصلاة والسلام، ومحاذرة كل

ما يخدش صحيح المعتقد وصفو المتابعة، من ضروب الشركيات والبدع والمحدثات.

وفي

مجال عبوديته لربه قام من الليل حتى تفطرت قدماه، فيقال له: تفعل هذا وقد غفر

الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟!» .

[خرجه

الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]

يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي مجال الأخلاق تجده

مثال الكمال في رقة القلب، وسماحة اليد، وكفِّ الأذى، وبذل الندى، وعفة النفس،

واستقامة السيرة. كان عليه الصلاة والسلام دائم البشر، سهل الطبع، ليّن الجانب،

ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو

ويصفح.

زانتْه في الخلق العظيم شمائلٌ

يُغرى بهن ويولَع الكرماء

وأعظم من ذلك

وأبلغ ثناءُ ربه عليه بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم [القلم:4] ،

فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ

القلب لانفضوا من حولك [آل عمران:159] ، يقول أنس رضي الله عنه:

ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألينَ من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا شممت رائحة قط أحسنَ

من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍ قط،

ولا قال لشيء فعلتُه: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا.

تلك لعمرو

الحق عراقةُ الخلال وسمو الخصال، وكريم الشمائل وعظيم الفضائل، فسبحان من رفع

قدره، وشرح صدره، وأعلى في العالمين ذكره.

وشقَّ له من اسمه

ليجلَّه

فذو العرش محمود وهذا محمد

فهل من يتغنون اليوم بسيرته يقتفون أثره في

هديه وشمائله؟!

وهناك صفحة أخرى يا رعاكم الله، في معاملاته لأصحابه وأهل بيته

وزوجاته، يقول صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم

لنسائهم». [خرجه أحمد وأهل السنن]

وهكذا في سياسة الدولة الإسلامية وفي عبادته

لربه، وفي نفقته وبذله، وفي قوته وجهاده، وحرصه على أداء رسالة الله وتبليغ

دعوة ربه تبارك وتعالى.

وهاكم ـ رعاكم مولاكم ـ أنموذجاً على حكمته في الدعوة،

ورفقه بالمدعوين ورحمته بالناس، مسلمين وغير مسلمين، وما أرسلناك

إلا رحمة للعالمين [الأنبياء:107] ، ومراعاته لحقوق الإنسان، بل

ورفقه حتى بالحيوان، في وقت تتغنى فيه حضارة اليوم بدوس كرامة الإنسان ورعاية

أحطِّ حيوان، فالله المستعان.

ويتجلى هذا الأنموذج الرائع في قصة الأعرابي الذي

بال في ناحية المسجد، حين نهره الصحابة رضي الله عنهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعوه، لا

تزرموه»، أي: لا تنهروه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتم مبشرين، ولم تبعثوا معسرين»

وأرشده برفق وحكمه، وكانت النتيجة أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا

ترحم معنا أحداً.

[متفق عليه]

وفي قصة ثمامة بن أثال حينما أُسر ورُبط بسارية

المسجد وهو مشرك وسيد قومه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به ويقول: «ماذا عندك يا ثمامة؟»

فيقول: عندي خير يا محمد، إن تقتلْ تقتلْ ذا دم، وإن تنعمْ تُنعم على شاكر، وإن

كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فيقول صلى الله عليه وسلم بعد أن أكرمه ورفق به وأحسن

معاملته: «أطلقوا ثمامة» ، فانطلق ثمامة فاغتسل ثم دخل المسجد، وقال: أشهد أن لا

إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، والله يا محمد، ما كان على وجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت