الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك اليوم أحبَّ الوجوه كلها إليَّ،
وما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك اليوم أحبَّ الدين كله إليّ،
والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها
إليَّ.
[خرجه الشيخان]
الله أكبر، تلك آثار الدعوة بالرفق والرحمة والحسنى،
والبعد عن مسالك العنف والغلظة والفظاظة، وهو درس بليغ للدعاة إلى الله إلى
قيام الساعة.
بنيتَ لهم من الأخلاق ركناً
فخانوا الركن فانهدم اضطرابا
وكان
جَنابهم فيها مُهابا
ولَلأخلاق أجدرُ أن تهابا
ولما قيل له عليه الصلاة
والسلام: ألا تدعو على المشركين؟! قال: «إني لم أُبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة
للعالمين». [خرجه مسلم] ، وقال لهم: «ما تظنوني أني فاعلٌ بكم؟» قالوا: خيراً،
أخٌ كريم وابن أخ كريم، قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، اذهبوا فأنتم
الطلقاء».
ألا فلتعلم الإنسانية قاطبة والبشرية جمعاء هذه الصفحات الناصعة من
رحمة الإسلام ورسول الإسلام والسلام عليه الصلاة والسلام، الذي يجدون ذكر
شمائله في توراة موسى وفي بشارة عيسى، وليعلم من يقفُ وراء الحملات المغرضة ضد
الإسلام ورسول الإسلام وأهل الإسلام ما يتمتع به الإسلام من مكارم وفضائل،
ومحاسن وشمائل، ومدى البون الشاسع بين عالميته السامية وعولمتهم المأفونة في
إهدارٍ للقيم الإنسانية وإزراءٍ بالمثل الأخلاقية.
وهل تدرك الأمة الإسلامية
اليوم الطريقةَ المثلى للدعوة إلى دينها وإحياء سنة رسولها صلى الله عليه وسلم إحياءً عملياً
حقيقياً، لا صوريا وشكلياً؟!
وإن الأمة اليوم بأمس الحاجة في هذه اللحظات
الحاسمة من تاريخها إلى التمسك الصحيح بدينها وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم ، في محبة وتآلف
واعتصام، وفي سماحة ويسر ووئام، وبذلك تتحقق وحدة الصف وجمع الشمل وتوحيد
الكلمة على منهج الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة رحمهم الله، فلن يصلح أمرُ آخر
هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وبذلك تنكشف الغمة عن هذه الأمة، وما ذلك على
الله بعزيز.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لقد كان لكم في رسول
الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر
وذكر الله كثيرا [الأحزاب:21] .
فاتقوا الله عباد الله، وروّوا
قلوبكم وأرواحكم من شمائل نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وتأمَّلوا خصاله العظيمة وشمائله الكريمة،
واربطوا أنفسكم وناشئتكم وأسَرَكم بها رباطاً محكماً وثيقاً يسمو عن التخصيص في
أوقات، والتعيين في مناسبات، فليس هذا من منهج السلف الثقات.
واعلموا ـ رحمكم
الله ـ أن هذه الشمائل المصطفوية والسجايا النبوية ينبغي أن يكون لها تأثير
عملي في إصلاح المنهج، وأثرٌ تطبيقي في إحكام المسيرة والبناء، في عصرٍ كثرت
فيه المتغيرات، وتسارعت فيه المستجدات عبر كثيرٍ من القنوات والشبكات، فالسنة
خير عاصم من شرور هذه القواصم.
وإن الأمة اليوم بحاجة أكثرَ من أي زمان مضى إلى
الاتحاد على منهج الكتاب والسنة حتى تتلاقى الجهود في ميدان واحد نحو الهدف
السامي الذي يسعى إليه كل مسلم لقيادة سفينة الأمة إلى برّ الأمان وشاطئ
السلامة بعيداً عن كل ما يعكِّر صفوَ ورودها. وإن كل مسلم على ثغر من ثغور
الإسلام في خدمة دينه وعقيدته وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بحسب مكانه ومسؤوليته.
فأروا الله ـ
أيها المسلمون ـ من أنفسكم خيراً، سيروا بخطى متوازنة يتوّجها العلم الشرعي،
الذي من خلاله يُبنى الوعي الواقعي؛ لتأخذ هذه الأمة دورها القيادي ومكانها
الريادي من جديد في مقدمة الركب، ولتقود البشرية الحيرى مرةً أخرى إلى مواطن
العز والشرف، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس
لا يعلمون [يوسف:21] .
=صلوا عليه صلاةَ متَّبعٍ له محبٍّ له مقتفٍ
آثارَه متمسِّك بسنته، فلا إطراء ولا جفاء، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال
تعالى قولاً كريماً في محكم التنزيل وأصدق القيل: إن الله
وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه وسلموا تسليما [الأحزاب:56] .