فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 9994

قوله: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} أي ثم بعد هذا الميثاق بقيتم عليه،وأقررتم به، وشهدتم عليه،ولم يكن الإقرارُ غائبًا عنكم، أو منسيًا لديكم؛ بعد هذا كله {أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} الخطاب لمن كان في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم-؛ وإنما وجه إليهم؛ لأنهم من الأمة التي فعلت ذلك،ورضوا به.وقوله: {تقتلون أنفسكم} أي يقتل بعضُكم بعضًا؛ {وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم} أي تجلونهم عن الديار؛ وهذا ما وقع فعلًا بين طوائف من اليهود قرب بعثة النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث قتل بعضُهم بعضًا، وأخرج بعضُهم بعضًا من ديارهم. قوله: {تظاهرون} أي تعالَون؛ لأنَّ الظهور معناه العلوّ؛ كما قال- تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} سورة الصف: 9. يعني ليعليه. وقيل: {تظاهرون} أي تعينون من يعتدي على بعضكم في عدوانه.قوله: {بالإثم} أي بالمعصية؛ {والعدوان} أي الاعتداء على الغير بغير حق؛ فكل عدوان معصية؛ وليست كل معصية عدوانًا إلا على النفس؛ فالرجل الذي يشرب الخمر عاصٍ، وآثم؛ والرجل الذي يقتل معصومًا آثم، ومعتد؛ والذي يُخرجه من بلده آثم ومعتد؛ ولهذا قال: {تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} ؛ فهؤلاء بعد ما أخذ عليهم الميثاق مع الإقرار،والشهادة لم يقوموا به؛ أخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان. قوله: {وإن يأتوكم} أي يجيئون إليكم؛ {أسارى} جمع أسير؛ وتجمع أيضًا على أسرى؛ كما في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى} سورة الأنفال: 70. والأسير هو الذي استولى عليه عدوه. و {تفادوهم} أي تفكونهم من الأسر بفداء. قوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} يعني: تفدون المأسورين وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم؛ فأنتم لم تقوموا بالإيمان بالكتاب كله؛ ولهذا قال مستفهمًا استفهامًا استنكاريًا توبيخيًا: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} ووجه كونهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض أنهم كفروا بما نهوا عنه من سفك الدماء، وإخراج أنفسهم من ديارهم؛ وآمنوا بفدائهم الأسرى؛ والذي يعبد الله على هذه الطريق لم يعبد الله حقيقة؛وإنما عبد هواه؛ فإذا صار الحكم الشرعي يناسبه قال: آخذ به؛ وإذا كان لا يناسبه راوغ عنه بأنواع التحريف،والتماس الأعذار.قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة} أي ما ثوابكم على عملكم هذا إلا خزي في الحياة الدنيا، وهو الذلُّ والصَّغَار {ويوم القيامة} أي يوم البعث. {يردون إلى أشد العذاب} أي أعظمه {وما الله بغافل} نفى الله-سبحانه وتعالى-عن نفسه صفة الغفلة؛وذلك لكمال علمه، ومراقبته؛ وهذه من الصفات السلبية التي يُنزه الله عنها، و {عما تعملون} .

قوله: {أولئك} المشار إليهم هؤلاء اليهود الذين نقضوا العهد؛ {اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} أي اختاروا الدنيا على الآخرة؛ فالآخرة عندهم مزهود فيها مبيعة؛ والدنيا مرغوب فيها مشتراة.وقوله: {بالآخرة} الباء هنا للبدل؛ وهي تدخل دائمًا على الثمن، كقولهم:"اشتريت الثوب بدينار". قوله: {فلا يخفف عنهم العذاب} أي لا يهوَّن عنهم لا زمنًا، ولا شدة، ولا قوة؛ {ولا هم ينصرون} أي ولا أحد يمنع عنهم عذاب الله.

بعض فوائد الآيات:

1.أن التوحيد جاءت به الرسل جميعًا؛ لقوله: {لا تعبدون إلا الله} ، وقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} سورة النحل:36.

2.عظم حق الوالدين حيث قرن الله حقهما بتوحيده، وقرن شكره بشكرهما؛ فقال- تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} سورة الإسراء: 23. وقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} سورة لقمان:14.

3.وجوب الإحسان إلى ذوي القربى،وإلى اليتامى والمساكين،وذلك يشمل الإحسان بالفعل والقول،وترك الإساءة إليهم قولًا أو فعلًا.

4.الحث على التخلق بمكارم الأخلاق، فعلى الإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا.

5.وجوب إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الوجه المطلوب شرعًا.

6.أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم.

7.أن بني إسرائيل أُخذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضًا؛ وتحريم إخراج بعضهم بعضًا من ديارهم، ولكنهم تمردوا وتولوا، ونقضوا المواثيق التي أخذت عليهم، فصار يقتل بعضهم بعضًا، ويخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.

8.توبيخ من اختار الدنيا واستحبها وفضلها على الآخرة؛ وهو مع كونه ضلالًا في الدين؛ فإنَّه يدل على سفه في العقل؛ فإنَّ الدنيا متاعها قليل ثم يفنى؛ والآخرة خير وأبقى1. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين

1-راجع:"انظر: جامع البيان في تأويل القرآن لمحمد بن جرير الطبري (1/287- 320) . ط: دار الكتب العلمية -بيروت- لبنان. الطبعة الأولى (1421هـ) ."و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (1/330- 376) . الطبعة الثانية. وتفسير القرآن العظيم"للحافظ ابن كثير (1/79-85) . ط: دار الحديث القاهرة. الطبعة السادسة. (1413هـ) . مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة."و"فتح القدير"للشوكاني (1/115- 128) . المكتبة التجارية. مصطفى أحمد الباز. مكة المكرمة. الطبعة الثانية. و"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"لابن سعدي (1/55- 59) . طبع ونشر وتوزيع دار المدني بجدة. (148هـ) . و"تفسير ابن عثيمين"المجلد الأول. و"أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير"لأبي بكر الجزائري (1/48- 52) . الطبعة الأولى الخاصة بالمؤلف (1414هـ) .""

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت