فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 9994

المقدمة:

الحمد لله الملك العلام، والصلاة والسلام على خير الأنام، ومسك الخاتم، محمد وعلى آله وأصحابه مصابيح الظلام، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المقام.

أما بعد:

فإن بني إسرائيل"يهود"لا يرعون عهدًا ولا ذمة، وهذا ما عرف عنهم على مدار التاريخ،وذلك ما جاء توضيحُهُ في الكتاب المبين، وفي سنة سيِّدِ المرسلينَ، ولنذكر بعض آيات القرآن الكريم التي تُوضِّح لنا طبيعة اليهود وتعاملهم مع العهود والمواثيق التي أخذها الله عليهم،والله نسأل أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا،وأن يجعل القرآن حجة لنا لا علينا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا. آمين.

الآيات:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( ) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } سورة البقرة: 83-86 .

شرح الآيات:

قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أي اذكروا إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، و"الميثاق"هو: العهد و {إسرائيل} هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام؛ وبنوه: ذريته من ذكور، وإناث، و"بنو إسرائيل"بنو عم للعرب؛ لأن العرب من بني إسماعيل؛ وهؤلاء بنو يعقوب بن إسحاق؛ وجدهم واحد. وهو إبراهيم، وهذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم بينه الله بقوله: {لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانًا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنًا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} . وعلى هذا فالميثاق اشتمل على الأمورِ التَّاليةِ:

الأول: أن لا يعبدوا إلا الله؛ لقوله: {لا تعبدون إلا الله} ؛ و"العبادة"معناها: الذل، والخضوع؛ مأخوذة من قولهم طريق معبَّد. أي مذلَّل.

الثاني: الإحسان إلى الوالدين؛ لقوله: {وبالوالدين إحسانًا} أي أحسنوا إلى الوالدين إحسانًا؛ وهو شامل للإحسان بالقول، والفعل، والمال، والجاه، وجميع طرق الإحسان. والمراد بـ"الوالدين"الأب، والأم، والأباعد لهم حق؛ لكن ليسوا كحق الأب، والأم الأدنيين، ولهذا اختلف إرثُهم، واختلف ما يجبُ لهم في بقيةِ الحقوقِ.

الثالث: الإحسان إلى القرابة؛ لقوله: {وذي القربى} ؛ وهي معطوفة على قولِهِ: {بالوالدين} ؛والمعنى: وإحسانًا بذي القربى؛ و {ذي} بمعنى صاحب؛و {القربى} بمعنى القرابة؛ويشمل: القرابة من قِبَلِ الأم؛ والقرابة من قِبَلِ الأب؛ لأن {القربى} جاءت بعد"الوالدين"أي القربى من قِبَل الأم، ومن قِبَل الأب.

الرابع: الإحسان إلى اليتامى؛ لقوله: {واليتامى} جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ من ذكرٍ أو أنثى،وأوصى الله-تعالى-باليتامى؛ لأنه ليس لهم من يُربِّيهم، أو يعولهم؛ فهم محل للرأفة، والرحمة، والرعاية.

الخامس: الإحسان إلى المساكين؛ لقوله: {والمساكين} جمع مسكين، وهو الفقير الذي أسكنه الفقر؛ لأن الإنسان إذا اغتنى-غالبًا- فإنه يطغى، ويزداد، ويرتفع، ويعلو-إلا من رحم الله-؛ وإذا كان فقيرًا فإنه بالعكس،وهنا يدخل الفقراء مع {المساكين} ؛ لأن"الفقراء"، و"المساكين"من الأسماء التي إذا قُرنت افترقت؛ وإذا افترقت اجتمعت؛ فكلمة"الفقراء"إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛و"المساكين"إذا كانت وحدها شملت الفقراء، والمساكين؛ وإذا قيل: فقراء ومساكين؛ مثل آية الزكاة: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} سورة التوبة للفقراء: 60. صار"الفقراء"لها معنى؛ و"المساكين"لها معنى. فلمَّا اجتمعت افترقت؛ فـ"الفقير"من لا يجد شيئًا من الكفاية، أو يجد دون النصف. و"المسكين"من يجد نصف الكفاية دون كمالها- هذا في بعض الأقوال- وقيل غير ذلك.

السادس: أن يقولوا للناس قولًا حسنًا؛ لقوله: {وقولوا للناس حسنًا} اختُلف في المراد بالقول الحسن، ولعل أجمع الأقوال أن القول الحسن يشمل: الحسن في هيئته؛وفي معناه، ففي هيئته:أن يكون باللُّطف، واللين، وعدم الغلظة، والشدة، وفي معناه: بأن يكون خيرًا؛ لأن كل قولٍ حسنٍ فهو خير؛ وكل قول خير فهو حسن.

السابع: إقامة الصلاة؛ لقوله: {وأقيموا الصلاة} أي ائتوا بها قويمة ليس فيها نقص؛ وذلك بأن يأتوا بها بشروطها، وأركانها، وواجباتها؛ وكمال ذلك أن يأتوا بمستحباتها؛ و {الصلاة} تشمل الفريضة، والنافلة.

الثامن: إيتاء الزكاة؛ لقوله: {وآتوا الزكاة} أي أعطوها مستحقيها؛ و"الزكاة"هي النصيب الذي أوجبه الله لمستحقه في الأموال الزكوية. ومع أن الله أخذ على بني إسرائيل هذه المواثيق والعهود، وبينها لهم، فإنهم تولوا عنها وأعرضوا عنها، وكأنه لم تكن هناك عهود ولا مواثيق، وهذه هي الطبيعة اليهودية أبدًا، فقال -تعالى- بعد ذلك: {ثم توليتم إلا قليلًا منكم} التولي هو: ترك الشيء وراء الظهر؛ وهذا أبلغ من الإعراض؛ لأن الإعراض قد يكون بالقلب، أو بالبدن مع عدم استدبار. قوله: {وأنتم معرضون} هذه جملة حالية؛ أي توليتم في إعراض؛ وذلك أن المتولي قد لا يكون عنده إعراض في قلبه، فقد يتولى بالبدن، ولكن قلبه مُتعلِّق بما وراءه؛ ولكن إذا تولى مع الإعراض فإنه لا يُرجى منه أن يُقْبِل بعد ذلك.

قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} يذَكِّرهم الله-سبحانه وتعالى-بالميثاق الذي أخذه عليهم؛ وبين الله-تعالى- الميثاق هنا بأمرين:

الأول: قوله: {لا تسفكون دماءكم} أي لا تهريقونها. والمراد بسفك الدم: القتل بغير حق.و {دماءكم} أي دماء بعضكم؛ لأن الأمة الواحدة كالجسد الواحد.

الأمر الثاني: قوله: {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} ؛ أي لا يُخرج بعضُكم بعضًا من داره؛ والإخراج من الوطن لاشك أنه شاقٌّ على النفوس؛ وربما يكون أشقَّ من القتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت