فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:
فإن صلاة الرغائب من البدع المحدثة في شهر رجب، وتكون في ليلة أول جمعة من رجب بين صلاة المغرب والعشاء ، يسبقها صيام الخميس الذي هو أول خميس في رجب.
والأصل فيها حديث موضوع على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ورد فيه صفتها وأجرها على النحو التالي:
صفتها:
عن أنس بن مالك-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"رجب شهر الله، وشعبان شهري،ورمضان شهر أمتي...، وما من أحد يصوم يوم الخميس ، أول خميس في رجب ، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة، ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثلاث مرات و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} اثنتي عشرة مرة ، يفصل بين كل ركعتين بتسليمه ، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ سبعين مرة، ثم يقول: اللهم صلى على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم ، إنك أنت العزيز الأعظم ، سبعين مرة ، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته فإنها تقضى . قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة، إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه ، وإن كانت مثل زبد البحر ، وعدد ورق الأشجار ، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ، فإذا كان في أول ليلة في قبره ، جاء ثواب هذه الصلاة فيجيبه بوجه طلق، ولسان ذلق، فيقول له: حبيبي أبشر فقد نجوت من كل شدة ، فيقول: من أنت فو الله ما رأيت وجهًا أحسن من وجهك، ولا سمعت كلامًا أحلى من كلامك ، ولا شممت رائحة أطيب من رائحتك ، فيقول له: يا حبيبي أنا ثواب الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر كذا جئت الليلة لأقضي حقك ، وأونس وحدتك ، وأرفع عنك وحشتك، فإذا نفخ في الصور أظللت في عرصة القيامة على رأسك ، وأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبدًا"1.
قال ابن الجوزي-رحمه الله-:"ولقد أبدع من وضعها فإنه يحتاج من يصليها أن يصوم، وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام ولم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف فيها، ويقع ذلك التسبيح الطويل ، والسجود الطويل ، فيتأذى غاية الإيذاء، وإني لأغار لرمضان ، والصلاة التراويح كيف زوحم بهذه؟! بل هذه عند العوام أعظم وأجل، فإنه يحضرها من لا يحضر الجماعات!"2.
وصلاة الرغائب أول ما أحدثت ببيت المقدس ، وذلك بعد ثمانين وأربعمائة للهجرة ،ولم يصلها أحد قبل ذلك.
فلم يرد عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه فعلها، ولا أحد من أصحابه-رضوان الله عليهم-، ولا التابعين، ولا السلف الصالح -رحمه الله عليهم -3.
حكمها:
لا شك في بدعية صلاة الرغائب، لاسيما أنها أحدثت بعد القرون المفضلة، فلم يفعلها الصحابة, ولا التابعون, ولا تابع التابعين، ولا السلف الصالح -رحمهم الله-وكانوا على الخير أحرص ممن جاء بعدهم . وقد جرى بين العز بن عبد السلام, وابن الصلاح مساجلة علمية جيدة من خلالها يتأكد لنا بدعية هذه الصلاة المحدثة . فقد أكد الإمام العز بن عبد السلام أن صلاة الرغائب موضوعة على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وكذب عليه، وأنها مخالفة للشرع من وجوه يختص العلماء ببعضها، وبعضها يعم العالم والجاهل. فأما ما يختص به العلماء فضربان:
الأول: أن العالم إذا صلى كان موهمًا للعامة أنها من السنن ، فيكون كاذبًا على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بلسان الحال الذي قد يقوم مقام لسان المقام.
الثاني: أن العالم إذا فعلها كان متسببًا إلى أن تكذب العامة على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-فيقولوا: هذه سنة من السنن، والتسبب إلى الكذب على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لا يجوز.
وأما ما يعم العالم والجاهل فمن وجوه:
الوجه الأول: أن فعل البدع مما يغري المبتدعين الواضعين بوضعها وافترائها ، والإغراء بالباطل والإعانة عليه ممنوع في الشرع واطَّراح البدع والموضوعات زاجر عن وضعها وابتداعها ، والزجر عن المنكرات من أعلى ما جاءت به الشريعة .
الوجه الثاني: أنها مخالفة لسنة السكون في الصلاة ، من جهة أن فيها تعديد لسورة الإخلاص ، وسورة القدر ، ولا يتأتى عده في الغالب إلا بتحريك بعض أعضائه .
الوجه الثالث: أنها مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه وحضوره في الصلاة ،وتفريغه لله تعالى، وملاحظة جلاله وكبريائه ، والوقوف على معاني القراءة والذكر ، فإنه إذا لا حظ عدد السور بقلبه ، كان متلفتًا عن الله تعالى،معرضًا عنه بأمر لم يشرعه في الصلاة ،والالتفات بالوجه قبيح شرعاًَ ،فما الظن بالالتفات عنه بالقلب الذي هو المقصود الأعظم .
الوجه الرابع: أنها مخالفة لسنة النوافل ، فإن السنة فيها أن فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد ، إلا ما استثناه الشرع كصلاة الاستسقاء, والكسوف, وقد قال-صلى الله عليه وسلم-:"صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة"4.
الوجه الخامس: أنها مخالفة لسنة الانفراد بالنوافل ، فإن السنة فيها الانفراد ، إلا ما استثناه الشرع ، وليست هذه البدعة المختلقة على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- منه .
الوجه السادس: أنها مخالفة للسنة في تعجيل الفطر ، إذ قال- صلى الله عليه وسلم -:"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر"5 .
الوجه السابع: أنها مخالفة للسنة في تفريغ القلب عن الشواغل المقلقة قبل الدخول في الصلاة ، فإن هذه الصلاة يدخل فيها وهو جوعان ظمآن ، ولاسيما في أيام الحر الشديد ، والصلوات لا يدخل فيها مع وجود شاغل يمكن رفعه .
الوجه الثامن: أن سجدتيها مكروهتان ، فإن الشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سبب لها ، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها ، فكما لا يتقرب إلى الله بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار ، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إليه بسجدة منفردة، وإن كانت قربة، إلا إذا كان لها سبب فكذلك لا يتقرب إلى الله- عز وجل- بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون .
الوجه التاسع: لو كانت السجدتان مشروعتين ، لكان مخالفًا للسنة في خشوعهما وخضوعهما ، بما يشتغل به من عدد التسبيح فيهما بباطنه ، أو بظاهره ، أو بباطنه وظاهرة.
الوجه العاشر: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام ، إلا أن تكون في صوم يصومه أحدكم"6.
الوجه الحادي عشر: أن في ذلك مخالفة للسنة فيما اختاره رسول الله-صلى الله عليه وسلم-في أذكار السجود، فإنه لما نزل قوله-سبحانه وتعالى-: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . قال:"اجعلوها في سجودكم"7. وقوله:"سبوح قدوس"وإن صحت عن النبي-صلى الله عليه وسلم-، فلم يصح أنه أفردها بدون"سبحان ربي الأعلى"، ولا أنه وظفها على أمته، ومن المعلوم أنه لا يوظف إلا أولى الذكرين، وفي قوله:"سبحان ربي الأعلى"من الثناء ماليس في قوله:"سبوح قدوس"8.
أقوال العلماء في صلاة الرغائب: