فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله- وهو يعدِّد العبادات التي أحدثها بعض الناس في رجب:"فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء، وممن ذكر ذلك من الأعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ: أبو إسماعيل الأنصاري، وأبو بكر بن السمعاني، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي، وغيرهم، وإنما لم يذكرها المتقدمون لأنها حدثت بعدهم، وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها"9.
وقال العز بن عبد السلام-رحمه الله-:"ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ، وتابعي التابعين ، وغيرهم ممن دون لكتب في الشريعة ، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن ، لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة ، ولا دونها في كتابه ، ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين ، وقدوة المؤمنين ، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام.... ولما صح عند السلطان الكامل- رحمه الله- أنها من البدع المفتراه عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-أبطلها من الديار المصرية ، فطوبى لمن تولى شيئًا من أمور المسلمين ، فأعان على إماتة البدع وإحياء السنن ."
وليس لأحد أن يستدل بما روي عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-أنه قال:"الصلاة خير موضوع"10. فإن ذلك مختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه، وهذه الصلاة مخالفة للشرع من الوجوه المذكورة، وأي خير في مخالفة الشريعة؟ ولمثل ذلك قال-صلي الله عليه وسلم-:"شر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلاله"11 .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -:"وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة ، فلا تستحب لا جماعة ولا فرادى ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- نهى أن تختص ليلة الجمعة بقيام ، أو يوم الجمعة بصيام."
والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء ، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلًا"12."
وقال أيضًا:"صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين ،لم يسنها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة ،-رحمهم الله- والثوري ، والأوزاعي، والليث وغيرهم ، والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث"13.
وسئل عن صلاة الرغائب: هل هي مستحبة أم لا ؟ فأجاب:"هذه الصلاة لم يصلها رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين ، ولا رغب فيها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ولا أحد من السلف، ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها، والحديث المروي في ذلك عن النبي-صلى الله عليه وسلم-كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك ، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة والله أعلم"14.
وسئل النووي-رحمه الله-عن صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان هل لهما أصل ؟ فأجاب:"الحمد لله ، هاتان الصلاتان لم يصلهما النبي-صلى الله عليه وسلم-ولا أحد من أصحابه-رضي الله عنهم-ولا أحد من الأئمة الأربعة المذكورين-رحمهم الله - ، ولا أشار أحد منهم بصلاتهما، ولم يفعلهما أحد ممن يقتدي به، ولم يصح عن النبي منها شيء ولا عن أحد يقتدي به ، وإنما أحدثت في الأعصار المتأخرة وصلاتهما من البدع المنكرات ، والحوادث الباطلات ، وقد صح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"إياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ضلالة"15 . وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد"16. وفي صحيح مسلم أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قال:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"17."
وينبغي لكل أحد أن يمتنع عن هذه الصلاة، ويحذر منها، وينفر عنها ويقبح فعلها، ويشيع النهي عنها، فقد صح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه"18. وعلى العلماء التحذير منها ، والإعراض عنها أكثر مما على غيرهم ، لأنه يقتدى بهم .
ولا يغترن أحد بكونها شائعة يفعلها العوام وشبههم ، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وبما أمر به لا بما نهى عنه، وحذَّر منه"19."
وسئل النووي أيضًا عن صلاة الرغائب هل هي سنة أم بدعة ؟.
فأجاب:"هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات فيتعين تركها والإعراض عنه20."
وقال ابن قيم الجوزية:"وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم"21.
وقد سئل الشيخ ابن باز-رحمه الله- هذا السؤال: يخص بعض الناس شهر رجب ببعض العبادات كصلاة الرغائب وإحياء ليلة 27 منه فهل لذلك أصل في الشرع؟ .
فأجاب: تخصيص رجب بصلاة الرغائب أو الاحتفال بليلة 27 منه يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج كل ذلك بدعة لا يجوز، وليس له أصل في الشرع ، وقد نبه على ذلك المحققون من أهل العلم ، وقد كتبنا في ذلك غير مرة وأوضحنا للناس أن صلاة الرغائب بدعة ، وهي ما يفعله بعض الناس في أول ليلة جمعة من رجب22 .
فمما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الصلاة التي يفعلها بعض الجهلة في أول جمعة من رجب، والتي تسمى الرغائب، بدعة منكرة، لم يسنها رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، ولا أحد من خلفائه، ولم يستحبها صحابته والتابعون ، والأئمة المشهورون ، مع أنهم أحرص الناس على الخير، وفضائل الأعمال ، وهذا الحكم صدر عن جملة من العلماء المتفق على جلالة قدرهم وسعة علمهم ، وكذلك الحديث الوارد فيها فإنه موضوع على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-باتفاق أئمة الحديث ، فلم يبق لمدعي فضيلتها من حجة"23 ."
اللهم جنبنا البدع، واهدنا إلى صراطك المستقيم، إنك على كل شيء قدير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين,
والحمد لله رب العالمين،،،
1 -رواه ابن الجوزي في الموضوعات (2/124- 126) . وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد اتهموا به ابن جهيم ، ونسبوه إلى الكذب ، وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (47-48) . وقال: موضوع ، ورجاله مجهولون وهذه هي صلاة الرغائب المشهورة ، وقد اتفق الحفاظ على أنها موضوعة قال الفيروز آبادي في المختصر: إنها موضوعة بالاتفاق ، وكذا قال المقدسي ، ومما أوجب طول الكلام عليها ، وقوعها في كتاب رزين ابن معاوية العبدري ، ولقد أدخل في كتابه الذي جمع فيه بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف ، ولا يدرى من أين جاء بها ، وذلك خيانة للمسلمين .
2 -الموضوعات لابن الجوزي (2/202,203) .
3 -الحوادث والبدع للطرطوشي ص (122) .
4 -البخاري-الفتح (2/214) (731) ، كتاب الأذان ، بلفظ:"فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، ورواه مسلم في صحيحه (1/539) (781) ، كتاب صلاة المسافرين، ولفظه"فإن خير صلاة المرء...".
5 -متفق عليه.
6 -مسلم.
7 -أبو داود.
8 -راجع: البدع الحولية: عبد الله التويجري ص (244) .
9 -لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي ص140