فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وروى الترمذي بسند حسن عن عطية السعدي أن رسول الله قال: (( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس ) ), لا يبلغ أن يكون من المتقين حتى يترك الأشياء التي لا بأس فيها ولا حرج عليها خوفًا مما به البأس, يترك الشبهات, ويترك ما قد يتسبب له في ارتكاب محرم أو تستشرف نفسه بعده لارتكاب منهي, وقال النبي ـ فيما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه وهو حديث صحيح متفق عليه ـ: (( فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ) ), وقال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ:"اتقوا الله حق تقاته, أن يطاع فلا يعصى, ويذكر فلا يُنسى, وأن يشكر فلا يُكفر", وشكر الله تبارك وتعالى يدخل فيه القيام بجميع الطاعات, وذكره فلا يُنسى بأن يذكر المرء نفسه وقلبه أوامر الله تبارك وتعالى فيمتثلها في حركاته وسكناته وكلماته, لا تغيب عنه أوامر الله حتى وهو يضحك, حتى وهو في حال مع أهله, حتى وهو في نومه, في يقظته, يرغم نفسه أوامر الله فيمتثلها, والنواهي فيجتنبها.
وقال ابن المعتمد:
خَلّ الذنوب صغيرها وكبيرها
واصنع كماشي فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
لا تحقرن ذنبًا تستصغره؛ إن الجبال من الحصى, ذنب على ذنب تصير كبيرة, تحيط بالعبد. وتلمّ به فيصدق عليه قوله تعالى في سورة البقرة: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
ثم على المرء أن يعلم ما الذي يتقيه لكي يكون متقيًا؛ ولذلك روى معروف الكرخي عن بكر بن خُنيس أنه قال: كيف يكون متقيًا من لم يدر ما يتقيه, وقال معروف: إذا كنت لا تُحسن تتقي أكلت الربا, وإذا كنت لا تُحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تغض بصرك, أو كما قال معروف.
وتقوى الله عز وجل كما عرفنا هي وصيته لخلقه جميعًا, ووصية رسوله لأمته قال لهم يوم النحر في حجة الوداع: (( عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة ) )وقال له أبو ذر ـ كما هو في حديث طويل عند ابن حبان ـ: أوصني يا رسول الله, قال: (( عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله ) ), وروى أحمد أن أبا سعيد الخدري قال كذلك: أوصني يا رسول الله, فقال: (( عليك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء, وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام ) )ـ وفي رواية ـ (( عليك بتقوى الله فإنه جماع كل خير ) ).
وقال له يزيد بن سلمة ـ كما عند الترمذي ـ: يا رسول الله, إني سمعت منك حديثًا كثيرًا أخاف أن ينسينيه أوله آخره, فحدثني بكلمة تكون جماعًا, قال: (( اتق الله فيما تعلم ) ).
ولم يزل السلف الصالح يتواصون بتقوى الله عز وجل, فلقد كان في خطبة أبي بكر رضي الله عنه ـ بعد أن ولي على المسلمين ـ كان يحمد الله ويثني عليه ثم يقول:"أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله, وأن تثنوا على الله بما هو أهله, وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة ـ لا تكونوا راغبين فحسب, لا تقولوا غفورٌ رحيم, لا تنسوا أن عنده نارًا وجحيمًا ونكالاً وعذابًا أليمًا ـ وأن تجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين, ولما حضرته الوفاة دعا عمر ليوصيه فقال له أول ما قال:"اتق الله يا عمر"."
وكتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله:"عليك بتقوى الله فإن من اتقاه وقاه, ومن أقرضه جزاه, ومن شكره زاده", وقال علي بن أبي طالب لرجل استعمله على سرية:"عليك بتقوى الله الذي لابد لك من لقائه, ولا منتهى لك دونه, وهو يملك الدنيا والآخرة".
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أخ له:"عليك بتقوى الله التي لا يُقبل غيرها, ولا يُرحم إلا أهلها, ولا يُثاب إلا عليها, فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل, جعلنا الله وإياك من المتقين".
وقيل ليونس بن عبيد: أوصنا, فقال:"عليكم بتقوى الله والإحسان؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون", وقيل لأحد التابعين عند موته: أوصنا, فقال:"عليكم بخاتمة سورة النحل إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون, وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج قلت للحاكم ـ أي ابن عتيبه ـ: ألك حاجة؟ فكان يقول له: أوصيك بما أوصى به النبي معاذ بن جبل: (( اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) )."
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, وأشهد إن لا إله إلا الله وليّ الصالحين, وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين, اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.