فهرس الكتاب

الصفحة 3134 من 9994

ثم إن تقوى الله في السر أيها الأخوة الكرام علامة كمال الإيمان, علامة السعاة, فلقد كان من دعاء النبي أن يقول: (( أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ) ), وقال لأبي ذر رضي الله عنه: (( عليك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته ) ), تقوى الله في السر علامة كمال الإيمان عند الاختفاء والاستتار من الناس؛ حيث يتذكر الله تبارك وتعالى وقُربه واطلاعه فيتقي, فهذا من علامة كمال الإيمان, وكان السلف يقول بعضهم لبعض:"زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته".

وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ:"أعَدّ الأشياء ثلاثة: الجود من قلة, والورع في الخلوة, وكلمة الحق عند من يرجى أو يُخاف", وقال أبو الجلد:"أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: قل لقومك ما بالكم تسترون المعاصي من خلقي وتظهرونها لي, إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون, وإن كنتم ترون أنّي أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم".

هذه خلة من خلال النفاق, إذا أخفى الإنسان المعاصي من الناس وبارز بها ربه تبارك وتعالى في خلوته صدقت عليه الآية من سورة النساء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا, ولهذا قيل لوهب بن الورد: أوصنا, فقال:"عليك بتقوى الله, اتق الله وخف الله على قدر قدرته عليك, واستح منه على قدر قربه منك, واتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك".

والله تبارك وتعالى يجازي بذرات الأعمال في الدنيا والآخرة, ولهذا فإن من استتر من الناس ولم يستحِ من الله عز وجل يُلقي له البغض في قلوب المؤمنين كما قال أبو الدرداء:"ليتقي أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر؛ يخلو بمعصية الله فيُلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين."

ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يُنشد:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ

وقال ابن السّماك:

يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيك

غرّك من ربك إمهاله وسِتره طول مساويك

وقال سليمان التيمي:"إن العبد ليصيب الذنب فيُسِّر به فيُصبح وعليه مذلته. مذلة الذنب تُرى عليه، ما أسر عبد سريرةً إلا ألبسه الله عز وجل ردائها علانية, فإن أسرّ التقوى ظهرت التقوى عليه وظهر أثرها, وإن أسرّ المعصية ظهر أثرها عليه مهما أبدى للناس من خشوع وخضوع وإنابة."

ولهذا أوصى بعض السلف أخاه فقال له: عليك بتقوى الله، فإنها من أكرم ما أسررت, وأزين ما أظهرت, وأفضل ما ادخرت. أعاننا الله وإياك عليها, وأوجب لنا وإياك ثوابها.

فاستفيدوا عباد الله: أعظم حِكَم الصيام ألا وهي تقوى الله تبارك وتعالى تفوزوا وتفلحوا, وتنتهي المعاصي التي ضجت منها الأرض والسماء، وأوشك الناس جميعًا أن يؤخذوا بعقوباتها. اتقوا الله تعالى في سر أمركم وعلانيته فإنه لابد لكم من لقاه، ولا منتهى لكم دونه وهو يملك الدنيا والآخرة.

وقبل أن أغادر مكاني هذا يطيب لي أن أنبه على ما تدعو إليه جمعية تحفيظ القرآن الكريم أولياء الأمور جميعًا إلى أن يهتموا بإرشاد أبنائهم وتوجيههم إلى مقارّ هذه الجمعيات لكي يقبلوا على كتاب الله عز وجل تلاوةً وتدبرًا, ولكي يكونوا من العلماء العاملين بكتاب الله عز وجل, هذه دعوة طيبة عظيمة من هذه الجمعية ففيها تعاهد لكتاب الله وتعاهد لأبناء المسلمين حتى لا يشبوا وينشئوا وهم لا يستطيعو أن يقيموا حروف كتاب الله بينما هم مجيدون في إقامة حروف أخرى غير كتاب الله تبارك وتعالى, فأقبلوا على القرآن الكريم تعلمًا وتلاوة وتدبرًا تفوزوا وتفلحوا ويقال لكم يوم القيامة (( اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها ) ).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت