فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يظلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:-
لقد أرسل الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية والشرك إلى التوحيد، ومن عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الواحد الديان {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} الأحزاب: 45-46. فامتثل الرسول صلى الله عليه وسلم أمر ربه عز وجل، وقام ودعا إلى الله بكل ما يستطيع ودخل أناس في دين الله؛ لكن رؤوس قريش وسادتها وزعماءها، حاولوا إطفاء هذا النور، وحاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه بشتى أنواع المحاربة من تعذيب وإيذاء وقتل وحبس واستهزاء وسخرية...الخ
فما كان من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن نصح أصحابه بالفرار من مكة إلى الحبشة فرارًا بدينهم وعقيدتهم، واشتد الإيذاء له من كفار قريش حتى وصل بهم الأمر أن اجمعوا على قتله صلى الله عليه وسلم.
فأمره ربه عز وجل أن يهاجر من مكة إلى يثرب، طيبة الطيبة، بعد أن هيئ عليه الصلاة والسلام بيعة مع من أسلم منهم، والدعوة إلى الله تحتاج إلى نوع من الاطمئنان،وجو هادئ حتى يستطيع الداعي أن يعلم أتباعه، ويربيهم، ويغرس فيهم الإيمان بالله تبارك وتعالى، فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة على المدينة وقريش كلها تطلبه ولكن الله تعالى نجاه منهم ومن كيدهم وشرهم، وما هي إلا أيام وإذا به يصل إلى يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم واستقبله أهلها بالفرح والبشاشة وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يرسي قواعد الدولة الإسلامية، وبدأ يؤسس المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة وقبل أن الكلام عن أسس بناء المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة هذه بعض فضائل المدينة المنورة.
روى البخاري ومسلم وأحمد ومالك: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد) .
قال ابن حجر: قوله (أمرت بقرية) أي أمرني ربي بالهجرة إليها وأسكنها، وقوله (تأكل القرى) أي: وهي المدينة أي تغلبهم. ومعناه: أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدمًا.
وقوله (يقولون: يثرب كراهية تسمية المدينة بيثرب وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين. وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رفعه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب.
قوله: تنفي الناس: أي الشرار منهم. قال عياض: وكان هذا مختص بزمنه لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه. وقال النووي: ليس هذا بظاهر لأن عند مسلم (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد) وهذا والله أعلم من الدجال.انتهى1.
ومن فضائل المدينة أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرمها كما حرم الخليل إبراهيم مكة المكرمة وحدد حرمها فعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين2) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حرم ما بين لابتي المدينة على لساني3) .
ولقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم طابة كما في حديث أبي حميد قال: أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى أشرفنا على المدينة فقال: (هذه طابة4) قال ابن حجر -رحمه الله-: طابة أي من أسمائها إذ ليس في الحديث أنها لا تسمى بغير ذلك، والطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيب،وقيل لطهارة تربتها، وقيل لطيب ساكنيها، وقيل من طيب العيش بها، وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحة هذه التسمية5.
والإيمان يأرز إلى المدينة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجره6) . قال الحافظ في الفتح: أي أنها كما تنتشر من جحرها في طلب ما تعيش به فإذا راعها شيء رجعت إلى حجرها كذلك الإيمان انتشر في المدينة، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لمحبته في النبي صلى الله عليه وسلم فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ لأنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للتعلم منه، وفي زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم للاقتداء بهديهم، ومن بعد ذلك لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده ومشاهدة آثاره وآثار أصحابه7.
ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أراد الكيد لأهل المدينة فإنه يهلك فعن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا يكيد أهل المدينة أحد إلا أنماع كما ينماع الملح في الماء) قال الحافظ: قوله (باب إثم من كاد أهل المدينة) أي أراد بأهلها سواءً، والكيد المكر والحيلة في المساءة وقوله (أنماع) أي ذاب، وفي صحيح مسلم (ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء) والمدينة النبوية المباركة معصومة من الدجال والطاغوت ببركته صلى الله عليه وسلم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاغوت،ولا الدجال) رواه الشيخان8. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقب من أنقابها إلا عليه ملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق) متفق عليه.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان) رواه البخاري. وعن تميم الداري رضي الله عنه في حديثه الطويل في رؤية الدجال في اليقظة، أن الدجال قال:يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، هما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتًا،يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه طيبة، هذه طيبة) يعني: المدينة. رواه مسلم.
والأحاديث أكثر من أن تحصر في فضائل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتابه النفيس فضائل المدينة المنورة ما يربو على مائة من خصائص المدينة المنورة فليرجع إليه.
وبعد أن ذكر نبذة يسيرة عن فضائل المدينة، لا بد لنا من معرفة تاريخ المدينة قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إليها.