فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 9994

قال ابن النجار في كتابه الدرة الثمينة في تاريخ المدينة: قال أهل السير: كان أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح، قوم يقال لهم صعل وفالج فغزاهم داود النبي عليه السلام فأخذ منهم مائة ألف عذراء قال: وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل. قالوا: وكانت العمالييق قد انتشروا في البلاد فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وعتوا عتوًا كبيرًا فبعث إليهم موسى عليه وعلى نبينا السلام جندًا من بني إسرائيل فقتلوهم بالحجاز وأفنوهم. قال: وإنما كان سكن اليهود بلاد الحجاز أن موسى عليه السلام لما أظهره الله على فرعون وأهلكه وجنوده وطن الشام وأهلك من بها وبعث بعثًا من اليهود إلى الحجاز وأمرهم ألا يستبقوا من العماليق أحدًا بلغ الحلم فقدموا عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم....) وأصابوا أبنًا له شاب من أحسن الناس فضنوا به على القتل وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم وقبض الله موسى قبل قدومهم. فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم فسألوهم عن أمرهم فأخبروهم بفتح الله عليهم، وقالوا: لم نستبق منهم أحدًا إلا هذا الفتى، فإننا لم نر شابًا أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه المعصية لمخالفتكم نبيكم، لا والله لا تدخلوا علينا بلادنا، فحالوا بينهم وبين الشام. فقال الجيش: ما بلد إذا منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه. قال: وكانت الحجاز أكثر بلاد الله شجرًا وأطهره ماءً.

قالوا: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق. وهم يجدون في التوراة أن نبيًا يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرتين فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد، فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلًا، ومضى طائفة فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها. فأقام بعضهم بها ومضى أكثرهم فلما رأوا يثرب سبخة وحرة ونخلًا قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها فنزلوه. ونزل جمهورهم مكان يقال له يثرب مجتمع السيول. وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هذل وعمرو فنزلوا بالعلية على مهروز.

قال عبد العزيز بن عمران: وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء العرب منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة فأبرت الآبار والمزارع وقالوا: وكان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج. وهم بنو أنيف حي من بلى،وبنو مريد حين من بلى وبنو معاوية بن الحارث، وبنو الجذما حي من اليمن.

فلم نزل اليهود العالية بها الظاهرة عليها حتى كان من سيل العرم ما كان وقص الله في كتابه9.

فلما غضب الله على أهل سبأ. عندما قالوا: {ربنا باعد بين أسفارنا} سبأ19، وأذن في هلاكهم، دخل عمرو ابن عامر فنضر جرذًا تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال: ما نقلت هذه أولادها من هاهنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، فخرقت ذلك العرم فنقبت نقبًا، فسال الماء من ذلك النقب، وفي رواية أنه قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا فمن أراد منكم دارًا جديدًا إلى أن قال ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل المقيمات في الضحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فأطاعه قومه فخرج منهم إلى عمان وخرج بعضهم إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو كعب بن عمرو إلى يثرب، فلما كانوا ببطن مر قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبغي به بديلًا، فلذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب10. ولما قدمت الأوس والخزرج المدينة تفرقوا في عاليتها وسافلتها، ومنهم من نزل مع بني إسرائيل في قراهم، ومنهم من نزل وحده لا مع بني إسرائيل ولا مع العرب الذين كانوا تألفوا بني إسرائيل، وكانت الثروة في بني إسرائيل ولهم القرى وعمروا بها الآطام. فمكثت الأوس والخزرج ما شاء الله، ثم سألوا اليهود في أن يعقدوا بينهم جوارًا وحلفًا يأمن بعضهم بعضًا. ويمتنعون به ممن سواهم، فتحالفوا وتعاقدوا فلم يزالوا كذلك زمانًا طويلًا، وأمدت الأوس الخزرج (أي كثر عددهم) وصار لهم مال وعدد، فخافت قريظة والنضير أن يغلبوهم على دورهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف فأقاموا خائفين أن تجليهم اليهود، حتى نجم أي ظهر منهم مالك بن العجلان وسيده الحيان الأوس والخزرج، وكان ملك اليهود الفطيون شرط ألا تدخل امرأة على زوجها حتى تدخل عليه، فلما سكن الأوس والخزرج المدينة أراد أن يسير فيهم بذلك. فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلًا من بني سالم، فأرسل الفطيون رسولًا في ذلك، وكان مالك غائبًا، فخرجت أخته في طلبه، فمرت به في قوم، فنادته فقال: لقد جئت بسبة، تناديني ولا تستحي فقالت: الذي يراد بي أكبر، فأخبرته، فقال: أكفيك ذلك فقالت: وكيف ؟ فقال: أتزين بزي النساء وأدخل معك عليه بالسيف فأقتله ففعل. ثم خرج حتى قدم الشام على أبي جبيلة، وكان نزلها حين نزلوا هم بالمدينة، فجيش جيشًا عظيمًا، وأقبل كأنه يريد اليمن، واختفى معهم مالك بن العجلان، فنزل بذي حُرُض، فأرسل إلى الأوس والخزرج فوصلهم، ثم أرسل إلى بني إسرائيل: من أراد حباء الملك أي عطاياه، فليخرج إليه، مخافة أن يتحضروا فلا يقدر عليهم، فخرج إليه أشرافهم فأمر لهم بطعام حتى اجتمعوا فقتلهم فصار الأوس والخزرج أعز أهل المدينة11.

وتفرقت الأوس والخزرج كما ذكرنا ذلك في عالية المدينة وسافلتها وبعضهم جاء إلى عفا من الأرض لا ساكن فيه فنزله. ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها واتخذوا الأموال والأحكام فكان ما ابتنوا من الآطام مائة وسبعة وعشرين أطمًا، وأقاموا كلمتهم وأمرهم مجتمع. ثم دخلت بينهم حروب عظام وكانت لهم أيام ومواطن وأشعار12 ولعل وراء ذلك اليهود. فلم تزل الحروب بينهم إلى أن بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأكرمهم باتباعه.

وإلى هنا ينتهي الدرس وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين،،،،،،،،،،،،،،،

1 -فتح الباري 4/104-105.

2 -البخاري مع الفتح 4/97، برقم 1867.

3 -البخاري برقم 1869.

4 -البخاري رقم 1880 ، ومسلم برقم 1380.

5 -البخاري مع الفتح 4/106.

6 -البخاري برقم 1876.

7 -فتح الباري 4/112.

8 -البخاري برقم 1880 ،ومسلم برقم 1380.

9 -انظر الدرر الثمينة 35-39.

10 -ذكره الصالحي في فضائل المدينة وعزاه المحقق إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه.

11 -وفاء الوفاء للشمهوري 1/178.

12 -الدرة الثمينة في تاريخ المدينة 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت