فهرس الكتاب

الصفحة 3151 من 9994

والأمر الرابع: وهو الأهم هنا هو أن هذا التحرك لا يرضى إلا بالأعلى والأتم والأكمل كما رأينا في كل التعريفات إلى جانب الحق لحصول الكمال له أو لغيره .

وأخيراً المعنى الخامس المهم: أن يستصغر ما سواها ولا يلتفت إليه .

كما قال الهروي - رحمه الله - ولا يلتفت عنها لا يلتفت عن مراد همته ؛ فإن كان همته في الطاعة وفي معالي الأمور فإنه لا يلتفت إلى الصغائر ولا تشغله ولا يفكر فيها ولا تأخذ شيئاً من وقته ولا يبذل لها شيئاً من جهده مطلقاً .

إذا عرفنا المعنى اللغوي وعرفنا المعنى الاصطلاحي وبعض ما يُلحظ من ذلك .

بقي أن نعرف أن الهمة مولودة مع الإنسان فكل إنسان عنده همة ؛ لأن كل إنسان له قلب ونفس وعنده أشواق وآمال ولديه طموحات .

لكن ما الذي يفرق بين الناس كسائر الأمور كل الناس لهم عقول فما بال الناس بعضهم حفظة وبعضهم بلداء وبعضهم أذكياء وبعضهم أغبياء ؟ إن الذي ينشط أي طاقة من طاقاتهم ويحرص على رعايتها ويعمل على تنميتها تزداد عنده والذي يغفل عنها ويهملها لا يكون كذلك .

كلنا لنا أبدان ولنا عضلات وقوى ألا نرى بعضنا مترهلاً متكاسلاً لا يستطيع أن يرقى درجتين ولا أن يمشي خطوتين وبعضهم كما يُقال جسمه رياضي ماذا صنع إنه حرص على تقوية هذه الطاقة وتنميتها .

يقول ابن الجوزي رحمه الله:"وقد عُرف بالدليل أن الهمة مولودة مع الآدمي وإنما تقصر فيه تقصر بعض الهمم في بعض الأوقات تفتر أو تقتر ، فإذا حُثت سارت فمتى رأيت في نفسك عجزاً فسل المنعم ، أو كسلاً فسل الموفق فلن تنال خيراً إلا بطاعته فمن الذي أقبل عليه ولم يرد كل مراد".

هذا أمر مهم ؛ لأن بعض الناس يقول من أين سآتي بالهمة العالية ؟ فتش عنها بين جنبيك ابحث عنها في أعماق نفسك إنها في قلبك إنها أمر لا تستجلبه من خارجك بل تستنطقه وتستحثه من داخلك .

وكما قال القائل:"المرء حيث يجعل نفسه إن رفعها ارتفعت وإن قصّر بها اتضعت".

فأنت إن نشطت همتك ارتفعت وإن فكرت في السفاسف وانشغلت بالتوافه ؛ فإن همتك تدنو وتسفل .

وهذا أمر مُشاهَد ومن هنا كان بين الناس تفاوت في الهمم كما ذكر ابن القيم رحمه الله قال:"ولله الهمم ما أعجب شأنها وما أشد تفاوتها فهمم متعلقة بالعرش وهمم حائمة حول الأنتان والحُش".

همم متعلقة بالعرش بطاعة الله - عز وجل - والأنتان والحُش أجلكم الله مكان قضاء الحاجات فبعضها سامية وبعضها دانية وبعضها عالية وبعضها سافلة من هذا التفاوت .

والذي يتأمل يجد هذا ويعرفه ولعلي أذكر للتوضيح مثالاً عارضاً رُوي عن عبدالله بن قيس أبي أمية الغفاري أنه قال:"كنا في غزاة فحضر عدوهم فصيحَ فيهم أي بما يكون من هذا فصيحَ بالناس فهم يثوبون إلى مصافهم قال فإذا رجلٌ أمامي آخر أو أول خيري عند آخر خيره وأنا أسمعه فإذا به يُخاطب نفسه ويقول أي نفسي ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلتي لي أهلك وعيالك فأطعت ورجعت والله لأعرضنك اليوم على الله أخذك أو تركك ، فقلت: لأرمقنه اليوم فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في حُماتهم ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم ثم حمل العدو فانكشفوا وكان في حُماتهم ، قال: والله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعاً فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة".

هذا يبيّن لنا التفاوت مرة استجاب لضعف نفسه وانشغاله بأهله وركونه إلى دنياه فسفلت همته ومرة رقّاها وشجعها فعلت همته .

كما قال أيضاً صاحب المدارج ابن القيم قال:"علو الهمة ألا تقف دون الله ولا تتعوض عنه بشيءٍ سواه ولا ترضى بغيره بدلاً منه ولا تبيع النفس حضها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيءٍ من الحظوظ الخسيسة الفانية".

فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور ، لا يرضى بمساقطهم ، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليه ؛ فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان ؛ فإن الآفات قواطع وجواذب وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه وإنما تجتذب من المكان السافل فعلو همة المرء عنوان فلاحه وسفول همته عنوان حرمانه نسأل الله - سبحانه وتعالى - السلامة .

إذن عرفنا أن الهمة موجودة وأنها تترقى وأنها تتسفل وأن لذلك مراتب ومنازل بقدر ما يُعامل الإنسان نفسه وبقدر ما يسعى إلى الحرص على ذلك .

وبقي أيضاً أن نعرف مفتاح المعرفة للمعاني والمقاصد والكشف عن هذه الحقائق ، إنه يتلخص في أمرين ذكرهما ابن القيم أيضاً رحمه الله قال:"كمال الإنسان مداره على أصلين معرفة الحق من الباطل وإيثار الحق على الباطل".

معرفة الحق على الباطل أي بالعلم وإيثار الحق على الباطل أي بالعزم والعمل ؛ فإنه كما قال الله عز وجل:

{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أُولي الأيدي والأبصار } .

قال فالأيدي القوة في تنفيذ الحق وكمال تنفيذه ، والأبصار البصائر في الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت