فهرس الكتاب

الصفحة 3152 من 9994

فلابد من علم يُبصّر ، ولابد من همة تُنفذ ، فنحن إذا فقدنا الهمة فقد فقدنا شطر أسباب النجاح .. فكم من الناس يعرفون الأمور والأحكام يعرفون الصلاة وفرضيتها ، ويعرفون الجماعة وأهميتها .. لكنه يسمع الآذان ويعرف الحق فتسفل به همته وليس عنده همة تنبعث ، لذلك فلا يقع العمل منه على مراد العلم وهذا مما ينبغي الانتباه إليه لأن مراتب السعادة والنجاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين أو من إحداهما .

إما ألا يكون له علماً بها فلا يتحرك الذي لا يعرف أن هذا الأمر واجب لا ينبعث له إذا لم يعرف أن هذا العمل فيه فائدة لا يذهب إليه إما ألا يكون له علماً بها فلا يتحرك طلبها ، أو يكون عالماً بها ولا تنهض همته إليها ، فلا تزال نفسه وهمته في حضيض طبعه محبوسة ، وقلبه عن الكمال مطروداً منكوساً نسأل الله عز وجل السلامة .

وإذا عرفنا ذلك عرفنا أن الناس يتفاوتون في الهمم ولهم أقسام بهذه الاعتبارات إما عرفٌ بالحق وهمته ضعيفة وإما عرفٌ بالحق وهمته عالية فهو الذي ينال المرتبة العليا وإما جاهلٌ بالحق وهمته عالية ، فهي تنصرف إلى الباطل كما سنرى وإما جاهلٌ بالحق وليست له همة فهذا شأنه أدنى من البهائم أجلّنا وأجلّكم الله .

فهذا أمر معرفة المعاني والمقاصد .

وأما الجانب الثاني: فهو معرفة المنافع والفوائد:

حتى نرغب في الهمة العالية فلننظر إلى ما نجنيه منها وإلى ما نحصل عليه في دنيانا وأخرانا من وراءها فإن ذلك فيه خيرٌ كثير وفضلٌ عميم بإذن الله سبحانه وتعالى .

والفوائد شتى نذكر منها أطرافاً وقد يكون وراء ذلك من الفوائد الكثير والكثير منها:

أولاً: التقدم والمثوبة

صاحب الهمة العالية يتقدم غيره وينال من الأجر والثواب حتى وإن قصّر في العمل ما لا يناله غيره .

قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ) .

فهو همَّ هم صدقٍ وإنما حيل بينه وبين العمل لعارض وعذر مشروع فنال بهمته ما لا يناله غيره .

وفي الصحيح عند البخاري أيضاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من سأل الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ) .. عنده همة عالية طارت به إلى المعارك ، وخاضت به في ميادين الوغى وأراد الله سبحانه وتعالى له أن يموت على فراشه كما مات ابن الوليد سيف الله ورسوله وهو يقول كما نعلم في مقالته المشهورة أنه قال:"خضت كذا وكذا من المعارك ولقيت الموت في كذا وكذا من المظان وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء".

والمتخلفون والمخلفون في غزوة تبوك منهم الفئة الذين جاءوا إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وقد احترقت قلوبهم شوقاً إلى الجهاد وقد غلت نفوسهم طموحاً إلى التضحية والقتال وبذل الأموال والأرواح في سبيل الله وجاءوا وفي جوانحهم هذا العزم وذاك المضاء وتلك الهمة العالية فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا أجد ما أحملكم عليه ) .. ليس هناك دابة ورواحل ، وليس هناك زاد وتجهيز فما قالوا الحمد لله صُرف عنا العناء وذهب عنا الشقاء وجانبنا البلاء ! بل كما قال الله عز وجل: { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقوه } .

يبكون بكاء الإنسان الذي فاته أغلى شيء كان يحبه وأعظم شيء كان يتمناه ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ( إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم بالأجر حبسهم العذر ) .

نالوا وهم قعود الأجر الذي ناله السائرون لأنهم صدقوا في همتهم وعزمهم فكيف من يمضي همته وعزمه بالعمل .

هذه أمثلة لمن كانت له همة ولم يتيسر له العمل كما ورد أيضاً في سنن الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

( ما من امرئٍ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نومٌ - أي لتعب أو عارض - إلا كُتب له أجر صلاته وكان نومه صدقة عليه ) .

فضلٌ من الله عز وجل وأيضاً بيان لعظمة أهمية تلك النية .

والتقدم والسبق إلى الله - سبحانه وتعالى - إنما هو كما قال أهل العلم بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحب العمل الكثير بمراحل وإن ساواه بعمله فاق عليه بعمله .

فهذه فائدة عظيمة .. وكما قلت كيف بمن عمل العمل هذا إن عرض له عارض فمنعه عذرٌ نال هذا الأجر وتلك المنزلة فكيف بمن أنفذ العمل .

الفائدة الثانية: فائدة عظيمة وهي التعلق بالمعالي والوصول إلى الذُرى

فإن صاحب الهمة العالية ما تزال همته تنخسه ، وما تزال تحثه حتى لا تُبقي له وقتاً ولا راحة إلا في السعي إلى المراد الأعظم من الكمال الذي يطمح إليه بهذه الهمة العالية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت