فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
السبب الذي يجعل كثيرٌ من الناس يطلبون الأدنى من الأمور ويقصدون ما لا يملك لهم ضراً ولا نفعا إنما هو فساد العلم أو ضعف الهمة ، فكم نرى كثيراً من الناس وهو على هذا النهج ، حتى إن كثيراً من الناس أعظم ما يشغله هو الصغائر والتوافه وأكثر ما يستنفذ جهده ويضيّع فيه وقته هو هذه الأمور لِما ؟ لأنه ليست له همة عالية فيفوته حينئذٍ المراتب العالية .
انظر إلى الكسول من الطلاب - على سبيل المثال - ماذا يقصد ؟ ما مراده ؟ ما أعلى مطلوبه ؟ هو النجاح .. إن وجد درجة النجاح فرح بها فرحاً عظيماً فهو حينئذٍ يقنع بهذا ولا يطلب غيره ، أما عالي الهمة فإنه يطلب أن يحصل على الدرجة الكاملة ؛ فإن فاتته نصف درجة حزن عليها حزناً عظيماً وعزم على ألا يفرط في ذلك في مرة قادمة .
فمن أعظم فوائد هذه الهمة العالية التي تجعلنا نتعلق بها أن صاحبها دائماً ينال كما يقولون المكاسب والمغانم والمراتب العالية والأوسمة والشرف لأنه باستمرار يسعى إلى ذلك ويطمح إليه كما سنذكر في أمثلة كثيرة مما سيأتي ذكره .
فائدة أيضاً ثالثة: وهي مهمة جداً وهي العزم والجزم
كثيرٌ من الناس أكثر عيوبهم وأعظم ما يفوت عليه المصالح والمنافع هو التردد يفكر في الأمر فيخشى وتتردد عزيمته وتتردى همته ومن يستطيع ذلك وكيف سأصنع هذا وكيف سأصل إلى تلك المرتبة فإذا به يقدم رجلاً ويؤخر أخرى وربما فاتت الفرصة وربما تردد ورجع ففاته ذلك.
أما صاحب الهمة العالية ؛ فإنه صاحب عزم وجزم لا يتردد وذلك أمره بيّن ظاهر والله عز وجل بيّنه لنا حثنا عليه كما قال سبحانه وتعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله } .
إذا هممت بالأمر من الخير والمعالي من الأمور فما بالك تتردد ! وما بالك ترجع أو تنكص .. إذا عزمت فتوكل على الله .
والله - جل وعلا - وصف أهل الإيمان فقال: { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } .
ليس هناك نكوص بعد التقدم ولا رجوع بعد السبق ، فقال الله - جل وعلا - أيضاً: { من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم أُحد كان يرى البقاء في المدينة ، فجاء بعض الشباب وبعض من لم يشهد بدراً من الذين تحمسوا يريدون الأجر والمثوبة ، فأشاروا ورغبوا وألحوا في الخروج فعزم النبي صلى الله عليه وسلم واتخذ أهبته ولبس عدته وارتدى لامته فقالوا: يا رسول الله كأنا استكرهناك فافعل ما بدا لك ! قال: ( ما كان لنبيٍ إذا لبس لئمته آن يرجع حتى يلقى عدوه فيحكم الله عز وجل بينه وبين عدوه ) .
ولو أنه - عليه الصلاة والسلام - رجع لكان ذلك أعظم التردد الذي يثير البلبلة والاضطراب ويكون فيه ما يكون .
ولعل من أعظم أمثلة الهمة العالية التي تبيّن لنا هذه الفائدة موقف الصديق أبو بكر - رضي الله عنه - الذي هو من أعلى أعلى أهل الإيمان علواً في مرتبة الإيمان وأعظمهم في اليقين حتى لُقب بالصديق - رضي الله عنه - نعلم أنه بعد وفاة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -كان هناك أمران عظيمان واجها أبا بكر رضي الله عنه:
أولهما وأخطرهما: ردة المرتدين إما عن الإسلام بالكلية أو امتناع عن أداء الزكاة .
والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته كان قد جهز جيشاً وعقد لأسامة بن زيد اللواء فرأى بعض المسلمين أن الأمر خطير وأن الحالة والظروف عصيبة وأن إمضاء الجيش قد يكون فيه وله تبعات ، وأن هؤلاء المرتدين كُثر والصحابة في المدينة وما حولها من مكة كلٌ وليست عندهم تلك القدرة أو القوة ، التي ربما يواجهون بها كل ذلك فجاء عمر إلى الصديق - رضي الله عنه - يقول له في شأن أسامة إن بعض الأنصار قالوا:"أرجأ بعث أسامة".
وقال له أيضاً في شأن حرب المرتدين: تألف الناس وأرفق بهم ! .
فماذا قال أبي بكر عالي الهمة - رضي الله عنه - ضرب على صدر عمر ويقول له:"رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك ، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر إنه قد انقطع الوحي وتمّ الدين أو يُنتقص الدين وأنا حي".
وأنفذ جيش أسامة من وقته وسيّر أحد عشرة لواءً وجيشاً لقتال المرتدين فلم ينتهي العام بل قبل نهايته حتى استتب الأمر بعزم أبي بكر وحزمه وجزمه رضي الله عنه .
وهكذا تفعل الهمة العالية صاحبها لا يضيع الفرصة ولا يرتبك في المواطن العصيبة ولا يتردد أو يختل فكره أو يتشوش تدبيره عندما تحيط به المخاطر لأن له من همته عزيمة ماضية وحزم يبت الأمور ولا يرجئها .
وكبير الهمة كما قيل يتحسر على ساعة مرت به في الدنيا لا لأنه كان يعصي الله فيها وإنما لأنه لم يعمرها بطاعة الله سبحانه وتعالى .