فهرس الكتاب

الصفحة 3154 من 9994

ومن الأمثلة على ذلك أمثلة كثيرة كما فعل عمر بن عبد العزيز - رحمه الله ورضي الله عنه - كان المتوقع أو المنطقي أن ينظر الخليفة عمر - رضي الله عنه - إلى الأوضاع التي تغيرت بسبب كثير مما سلف قبله من الخلفاء وما انتقض من أمر الأمة بوجود الخوارج وغير ذلك وكان الأمر عظيماً والفرق متسعاً ومع ذلك قادته همته إلى أن يحسم الأمور وأن يعزم ورغم أنه لم يمضي إلا نحو من عامين في خلافته إلا أنها كانت الفترة التي استتب فيها الأمن وازداد الرخاء وعظم العلم وانتشرت البركة وكان فيها ما فيها من الخير الذي نعرفه .

الفائدة الرابعة: العزة والأنفة

فإن صاحب الهمة عزيز لا يرضى بالذل والذل هو أرذل الصفات وأقبحها هذا الإنسان خلقه الله عز وجل حتى في خلقته:

{ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } .

إنه المخلوق المنتصب قامة المرتفع جبهة الذي لا يذل إن كان على المنهج الحق إلا لله لا يطأطأ رقبته ولا يحني جبهته ولا يثني صلبه إلا في طاعة الله والخضوع والصلاة له .

أما إذا خلا القلب من الإيمان وخوى من العزيمة والهمة ؛ فإنه يكون ذليلاً لأي شيء يُذله الدرهم والدينار ويُذله الخوف على الحياة ويُذله طلبه للرفعة والجاه وكم نرى من الناس يمرغون وجوههم ويُذهبون ماءها وراء هذه اللعاعات من الدنيا والتفاهات من مطالبها .

فذاك يبيع شرفه ويضيع مكانته وربما يعق نسبه لأجل مكانة أو منصب وهكذا وهذا كما نرى .

وأما أصحاب الهمم العالية فيأنفون حتى من المهمات الحسنة إن كانت صغيرة حتى إن كان هناك عملٌ صالحٌ لكنه صغير فإنهم يرون أن عزتهم وأنفتهم وطموحهم وهمتهم تطلب ما هو أعلى.

وكما نعلم قيل لبعض ذوي الهمم العالية جاءه رجل وقال لي: عندك حويجة ! فقال له:"اطلب لها رجيلاً"، إن كانت حاجتك صغيرة فاذهب صغير يقضيها لك وأما أنا فلا أنظر إلا إلى معالي الأمور وكبارها .

وقيل لبعض العلماء لي سؤال صغير قال اطلب له رجل صغير .

ولا يعني ذلك أن لا يُجاب عن السؤال ولكن نحن نلفت النظر إلى ما يُنظر إليه بل إن الإنسان ليعجب من المواقف التي ينتبه إليها بعض الناس .

جاءهم في رجل من الكرام قومٌ قالوا: جئناك في حاجة لا ترزأك - يعني لا تُنقص منك شيء - فقال:"هلاّ طلبتم لها سفاسف الناس".

وعن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب أنه جاءته امرأة فسألته مالاً فأعطاها شيئاً عظيماً فقيل له: إنها لا تعرفك وكان يرضيها اليسير ! قال:"إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي".

وتُروى هذه المنقبة أيضاً عن يزيد المهلبي الذي كان من الأمراء المشهورين بالكرم إذ مرّ ببادية من الأعراب فسألوه فأعطاهم شيئاً كثيراً فقيل له: إنهم لا يعرفونك ! قال: ولكني أعرف نفسي .

ومن لطائف ما يُذكر في ذلك أن رجل رأى ابن المبارك يعضُّ يد خادمه فقال له: أتعض يد خادمك ؟! قال: كم آمره ألا يعد الدراهم على السّؤال وأقول له أحث حثواً ولا سمعني .

يعد وأقول له لا تعد خذ وأعطي فكان يعض يده حتى يستجيب لأمره بألا يعد .

وهذا يدلنا على أن صاحب الهمة العالية كما قلنا عنده من أنفته ما لا يجعله يرضى بالقليل والدون حتى من صالح الأعمال .

والشافعي رحمه الله يقول:

عليّ ثياب لو يُباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا

وفيهن نفسٌ لو تُقاس بها نفوس الورى كانت أعز وأكثرا

وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان غضباً حيث وجهته فرى

وهكذا ينبغي أن يكون أصحاب الهمم العالية وهذا أمرٌ كثيف ويجعل المرء لا يقبل الذل .

جاء في ترجمة الخطيب البغدادي - رحمه الله - أنه دخل عليه بعض العلوية ومعه دنانير فقال للخطيب: فلان يُسلم عليك ويقول اصرف هذا في بعض مهماتك"يعطيه شيئاً من المال"فقال لا حاجة لي فيه وقطّب وجهه ، فقال له الرجل: كأنك تستقله ونفض ما معه على سجادة الخطيب ؛ ليُريه أنه مالٌ كثير فقال هذه ثلاثمائة دينار فقام الخطيب - رحمه الله - محمّر الوجه وأخذ طريقه وخرج وسحب سجادته ، وظلّ الرجل يلتقط الدنانير ويجمعها من وراءه .

قال أحد تلاميذ الخطيب وهذا يبيّن لنا أثر الهمة العالية قال: ما أنسى عز خروج الخطيب وذل ذاك العلوي الذي يجلس في الأرض يلتقط الدنانير وذاك قد مضى لحاله .

كما قال القائل والأبيات منسوبة للشافعي أيضاً:

يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجل عن موضع الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس أُكرما

وهذا أمر كما قلنا مهم والأمثلة عليه كثيرة لعلنا نذكر أيضاً بعضاً منها لأهميتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت