فهرس الكتاب

الصفحة 3155 من 9994

سعيد الحلبي شيخ من أهل وعلماء الشام كان في الدرس يجلس ماداً رجله لكبر سنه ودخل عليه جبار الشام إذ ذاك إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا وهذا عهدٌ قريب منا ليس ببعيد فظلّ في درسه ولم يلتفت إليه ورجله ممدودة نحوه فامتعض هذا الرجل ، وكتم أمره ، ولما خرج بعث إليه بصرة من المال فيها ذهب فردّها الشيخ وقال للرسول:"قل للباشا إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه".

وهذا أمرٌ عظيم وانظر إلى أعظم من ذلك في سيرة الصحابي الجليل خبيب ابن عدي رضي الله عنه خبيب الذي جيء به ليُصلب ويُقتل والأمر محسومٌ والموت رأي العين أمامه قيل له: أتحب أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يكون مكانك وتكون آمناً في أهلك وولدك ؟! فقال: والله ما أحب أن محمداً آمنٌ في بيته وأهله يُشاك بشوكة وأنا في مكاني هذا .

وهكذا يكون أهل الهمم العالية .

وخامس فوائد الهمة التي تجعل المرء يتعلق بها ويرغب فيها: حصوله على مراتب المدح والنفع والثناء

عند أهل الحق والخير وعند الله - سبحانه وتعالى - لأننا نجد أن أصحاب الهمم العالية إنما هم المذكورون بالخير والثناء وإنما هم أصحاب المراتب العالية والشرف الرفيع عند الله سبحانه وتعالى الله - جل وعلا - يقول: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } .

فأصحاب الهمم العالية أولهم هم الرسل والأنبياء فإن كنت ذا همة فأنت لاحقٌ بهم وسائرٌ في طريقهم ومنتسبٌ إليهم وآخذ من شرفهم ومستنير بنورهم فما أعظم هذا وما أجله ومنتفعٌ بإذن الله سبحانه وتعالى بسيرتهم .

واستمع إلى القرآن وهو يقص علينا قصة أصحاب موسى: { لما دعاهم ليدخلوا الأرض المقدسة قالوا يا موسى إن فيها قومٌ جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } .

فما فائدة دخولهم بعد خروج أولئك ؟ لكن انظر:

{ قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } .

رجلان اثنان قالا هذه المقالة سطر الله - عز وجل - ثناءهما ومدح موقفهما بآيات تتلى إلى قيام الساعة .

وما قصة مؤمن آل فرعون وثناء القرآن عليه وقصة الرجل الذي جاء يسعى في قصة سورة ياسين عنا ببعيد ! وهذا كله من الثناء .

والله - عز وجل - يدعونا فيقول: { سارعوا إلى مغفرة من ربكم } .

وقال في شأن أهل الخير والصلاح: { يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } .

وبيّن الله - عز وجل - أنه لا استواء في المقام والرفعة والمدح والثناء عند الله وعند خيار الناس بين من هو صاحب همة عالية وعمل صالح وبين غيره: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين } .

هم مؤمنون لكنهم قاعدون ذوو همم دانية سافلة: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم } .

فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلٌ وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما .

والمثوبة والأجر فيما يؤدي إليه العمل الصالح الناشئ عن الهمة العالية أيضاً فيه من الفوائد ما نعلق قلوبنا بالهمة العالية .

استمع إلى بعض النصوص التي خُصصت لذوي الهمم العالية: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) .

إذن الأمور والأعمال التي فيها الفضائل والأجر العظيم من ينالها ؟ أصحاب الهمم العالية من الذي يأتي في الصف الأول من الذي يُبكر إلى الصلاة من الذي يمشي بالليل إلى الفجر وصلاة الفجر يُقال لصاحب القرآن يوم القيامة: ( اقرأ وارقى ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها ) .

ومن يزيد من الخير إلا صاحب الهمة العالية .

وأما صاحب الهمة الوضيعة فإن يقول تكفي الفاتحة وسورة من ثلاث آيات تصح بها الصلاة الحمد لله .

نعم هذه مراتب دانية لكننا نقول إن أعظم المثوبة وأكبر الأجر لا يكون إلا ممن يكون صاحب همة فيكون صاحب سبق .

في الحديث أيضاً: ( احضروا الذكر وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها ) أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي والإمام أحمد .

كلما قرب كلما سبق كلما كان أعظم في الأجر وأبلغ في المثوبة وكلما تأخر ودنى كلما كان متأخر حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها .

حتى الهمة في الدعاء إذا كان الرجل همة سأل ما يكون له به أعظم المثوبة والأجر .. ( إذا سأل أحدكم فليُكثر ؛ فإنما يسأل ربه ) وفي لفظٍ آخر: ( إذا تمنى أحدكم فليستكثر فإنما يسأل ربه عز وجل ) .

وفي حديث العرباض: ( إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس الأعلى في الجنة ) .

وهذا أمره واضح وبيّن .

وسادس الفوائد التي نود أن نوجز فيها أيضاً: الطموح والشموخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت