فهرس الكتاب

الصفحة 3156 من 9994

الذي دائماً يبقى مع الإنسان ليجعله لا يفكر إلا في الأمر الذي يكون له مبلغٌ عظيم فكل ما فكر فيه وسأل عنه انشغل به وسعى إليه فكان له بذلك نفع عظيم .

نضرب لذلك أمثلة سريعة أبو هريرة رضي الله عنه صحابيٌ جليل يقول: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبو هريرة ، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ إذا نسوا ، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم ، وكنت امرأ مسكيناً من مساكين الصفة ، أعي حين ينسون ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم يجمع إليه ثوبه ، إلا وعى ما أقول . فبسطت نمرة علي ، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري ، فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء

وهنا لما كان عنده طموحٌ سأل عما فيه خيره في الدنيا والآخرة ، ونحن نعلم ما في قصة ربيعة ابن كعب لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: سلني ما شئت ! قال: أسألك مرافقتك في الجنة .

زمن أعظم الفوائد التي نختم بها: أن الذي ينظر إلى الهمة يجد أنها تسوقه إلى أمرين عظيمين: الاستشعار بالمسئولية ، والمبادرة بالعمل .

الهمة من أعظم فوائدها أنها تجعل الإنسان يدرك حجم المسئولية ويعتبر نفسه كأنما هو الوحيد المسئول عنها فإذا كان كذلك كان هو السابق والمبادر للعمل .

كم نرى كثيراً من الأخطاء كم نرى كثيراً من صور التخلف ماذا يقول الناس يقول الواحد ماذا سأعمل ولست أنا المسئول وهذا أمر العلماء وهذا أمر الأمراء وهذا أمر كذا فما يزال يبرر لنفسه .

أما صاحب الهمة فيقول هذا هو الخلل وأنا لها إذا القوم قالوا من فتن خلت أني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد .

وأحد الدعاة كان مريضاً بالقلب ومطلوبٌ منه الراحة وأنى له أن يرتاح وهو يحمل هموم الأمة ويرى أن واجبه ينبغي ألا يبقي معه ولا له شيئاً من الوقت والجهد إلا في هذه المهمات العظيمة فجاء الطبيب يعاتبه:

كيف تصنع هذا وأنت مريضٌ بالقلب كأنما تبغي الهلاك ! فقال رحمه الله: كلا ! رويدك يا طبيب وقد سألت أما استراح هل يستريح الحر يوقد صدره العبء الرزاح .

فإن من في قلبه ذلك لا يمكن أن يرتاح والهمة تدفع إلى الحركة كما قال القائل:

إني رأيت وقوف الماء يفسده إن ساح طاب وإن لم يجري لم يطبِ

والأُسد لولا فراق الأرض ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصبِ

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة لملّها الناس من عُجم ومن عربِ .

وكما حث من يحث فقال:

كن مشعلاً في جنح ليلٍ حالكٍ يهدي الأنام إلى الهدى ويبينُ

وانشط لدينك لا تكن متكاسلاً واعمل على تحريك ما هو ساكنُ .

هناك أمور ساكنة لا يحرك فيها أحدٌ شيئاً لا يحركها إلا صاحب الهمة ولا يكون المؤمن العامر القلب إلا متحركاً محركاً .

أما المتباطئ الذي يعد بالالتحاق بعد ما تظهر بوادر النجاح يقول انتظروا حتى إذا تقدم الناس كلهم فكر هو أن يلحق وأن يشارك مع الناس هذا ليس بصاحب همة عالية ولم ينال تلك المنقبة العظيمة .

في الحديث كما نعلم ، وهو حديث سعد بن سهل رضي الله عنه قال: استيقظ الناس على صوت صارخٍ أي في المدينة سمعوا صوتاً فخرجوا ، وإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سبقهم على فرس عُري لأبي طلحة قد استجدى الخبر ورجع وهو يقول لهم: لن تراعوا لن تراعوا .

هذا هو المقدام - عليه الصلاة والسلام - همته هو صاحب المسئولية الأولى وهو صاحب المبادرة الأولى أما الذي ينتظر حتى يكون بعد أن يتقدم الناس فهذا كما قال القائل:

"إنما يعد وعد الضعاف صاحب الحر من يثور على الظلم وقد ثارت لِحقها الأقوام".."إنما الحر من يسير إلى الظلم فيصميه والأنام نيام".

الوقت الذي الناس في غفلة وفي ترف العمل هكذا يقع منه هذا .

وثامناً وأخيراً: الاستمرار والثبات

فهو إذا عمل عملاً لا يتركه وإذا نال منقبة لا يدنو عنها وإذا حاز خيراً لا يُفرط فيه أما أحياناً بعض الناس تأتيه همة مرة من المرات ثم يترك بعد ذلك ويرجع إلى الوراء أما صاحب الهمة ؛ فإنه يستمر حتى وإن وجد صعوبة .

عمر بن عبد العزيز - رحمه الله ورضي الله عنه - يقول:"لو كان كل بدعة يميتها الله على يدي ، وكل سنة ينقشها أو يحيها الله على يدي ببضعة من لحمي - يعني تُقطع - حتى يأتي آخر ذلك على نفسي كان ذلك في الله يسيرا".

الهمة هي التي تدفع إلى الثبات والصبر والاستمرار حتى آخر الطريق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت