فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
التي جعلت الناس يفكرون في كثير من الأمور وينشغلون بها ؛ ليُشابهوا فلان أو فلان ، أو ليكونوا - كما يقولون - حسب العُرف الجاري ؛ فإن كان عُرف الناس أن يتباهوا بالمظاهر حرصوا عليه وانشغلوا به ، وكدحوا لأجله ، وإن كان كلام الناس عن التفيهق أو الاتباع للشرق أو للغرب فكم ترى من ذلك كثيرٌ وكثير من المظاهر الفارغة ، وهذا يربي قطة ! وذاك يربي كلباً ! وهذا يصنع كذا .. وينشغلون بمثل هذه الأمور الرديئة .
ومن أعظم العوائق: استشعار الندرة والضعف عند التفرد
لأنه ما إذا صنع شيئاً وبدأت همته تطالبه ، يقول: لماذا أنا وحدي والناس كلهم لا يفعلون ذلك ؟!
فإن بعض الناس يقعده هذا التفرد عن العمل وعن المُضي مع الهمة العالية .
والسلف - رضوان الله عليهم - كانوا يحذرون من هذا وينبهون فقال سفيان رحمه الله:"اسلكوا سبل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهلها".
إذا كنت على الحق ولو كنت وحدك فأنت الذي ينبغي أن تبقى على ما أنت عليه ، وأن يتبعك الناس لا أن ترجع عما أنت عليه .
وسمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقول:"اللهم اجعلني من الأقلين فتعجب عمر من هذا الدعاء قال يا عبدالله وما الأقلون ؟! قال سمعت الله يقول: { وما آمن معه إلا قليل } ، وقال: { وقليل من عبادي الشكور } ، فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أفقه من عمر ."
يعني ما انتبه عمر لهذا المعنى رضي الله عنه .
وقال سلمان الداراني:"لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وإن كنت وحدي".
فالوحدة والتفرد يعني أحياناً تقعد الإنسان عن مقتضى الهمة .
والله عز وجل قال: { إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفا } .
قال بعض أهل التفسير: كان وحده على التوحيد وقومه كلهم على الشرك .
وهكذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند مبدأ الدعوة .. كان الوحيد الذي يعرف الإسلام والإيمان ، ثم كان معه نفر قليل .. ما قالوا نحن قلة في وسط كثرة فماذا نصنع ! وإنما مضوا إلى أمرهم .
ومن الأمور العائقة: انشغال الناس بكثرة من الأمور العارضة والتافهة
من التي غلبت على الناس في أمورٌ اجتماعية .
فإذا ذهب ليزور إنسان ويسلّم عليه تظل هذه الزيارة في السلام والكلام والتحيات والمباركات ثلاث ساعات أو أربع ساعات ، ويذهب ليأكل الطعام فإذا بوجبة الطعام تأخذ ثلاث ساعات ! وكل هذا من ضياع الأوقات وتفويت مبتغى ومتعلق الهمة العالية .
ومن أشد ذلك: صحبة البطّالين المتقاعسين
إذا أردت أن تفعل شيئاً يقول لك: يا أخي ولماذا التعب ؟ سبحان الله بعض الناس يحب النكد ! لماذا يا أخي تسهر الليل ؟! سبحان الله ! لماذا يا أخي تكدح من أول النهار ؟ يا أخي نام وارتاح .. إن لبدنك عليك حقاً - نصائح تأتيك - إن لبدنك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً .. وتأتيك أمور والبيئة المحيطة يا أخي لماذا كل الناس في بيوتهم وأنت خارج بيتك ؟ لماذا كل الناس يفعلون كذا وأنت لا تفعل كذا .. هذا التثبيط خطيرٌ جداً .
وكما قال المنامي في فيض القضيض:"والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخُلق المنظور إليه ومن المشاهَد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفا فما الظن بالنفوس البشرية".
وهذا شيءٌ كثير وعظيم .
ومن ذلك طبعاً: مخالفة البيئة يتبع لذلك وخاصة الزوجة والأبناء
والله عز وجل قال: { إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فأحذروهم ... } .. { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } .
وهذه أمور كثيرة .
ومن العوائق الخطيرة: العشق والحب
الذي أثاره الناس في هذه الأيام ، فتجد العقول سارحة ، والأوقات مقضية ، والأجسام ناحلة ، والأموال مبذولة ، والوسائل مطروقة كلها لأجل الحب والغرام والعشق والهيام ، وهذا في تاريخ الناس كثير وإلى يوم الناس هذا .
وكما ذكر أيضاً عن ابن القيم في روضة المحبين قال:"العشق من أغراض البطّالين ، وأمراض الفارغين ، ينحل الأشباح النحول ، وينحل الأرواح بالذبول ، فالدمع هاطل ، والرأي عاطل ، والحسرات تتتابع ، والزفرات تتتابع ن والأنفاس لا تمتد ، والوسواس يشتد ، والعيون طول الليل ساهرة ، والقلوب نسيت الآخرة".
وهذا نراه ويسري بين بعض الناس والشباب على وجه الخصوص .
ونعرف أقوال الشعّار والعشاق:
أتاني منكِ سبك لي فسُبي أليس جرى بفيكِ اسمي فحسبي .
ما دام اسمي يجري على لسانك حتى ولو بالسب ؛ فإنه عنده وعند هذا العاشق محبوب .
وقال الثاني منهم:
لو كان لي قلبان عشت بواحدٍ وتركت قلباً في هواكِ يُعذب .
إلى آخر ما يقول هؤلاء .
والمجنون له قصص كثيرة منها ما ذكر أنه مرّ بزوج ليلى وهو يصلي ، وهو يصطلي بجمرٍ عنده جمر موقده فقال له أبيات جاء فيها: بربك هل ضممت إليك ليلى ؟ فقال: نعم ، فقبض الجمر الذي بين يديه وهو لا يشعر حتى ذابت يده من شدة حرارة النار نسأل الله عز وجل السلامة .
حتى قال القائل منهم:
إذا صليت يممت نحوها بوجهي وإن كان المُصلي وراءيا .