أولاً: عاطفة المحبة على وجه الخصوص للصلة بين الداعية والمدعو . نحن نعلم أن المحبة ابتداءً أمر إسلامي إيماني لابد أن يحب المرء أخاه ولا شك أنه إذا اتصل بآخر ليوجهه وينصحه ويدعوه إلى الخير ؛ فإنه سيكون له به ارتباط واتصال أكثر ، وهذا يعني أن تكون محبته له أعظم وأكبر ، وهذا أيضاً أمر مسلّم به .
ثانياً: هذه المحبة عندما تفيض في السلوك والتعامل مع المدعو يكون لها أعظم الأثر في استمالة قلبه ، وإقناع عقله ، وتأثره بالداعية واقتدائه به في كثير من أحواله وسلوكياته ،
ثالثاً: أن لهذه العاطفة وهذه المحبة ما يعين على أن تتقوم نفس المدعو تقويماً عاطفياً فتتهذب نفسه ، ويكنّ الخير للآخرين ، ويضمر المحبة ، ويلتمس العذر ، ويحسن الظن ، فهذه كلها من الآثار الإيجابية للتعامل الأخوي الذي تسوده المحبة الإيمانية والأخوة في الله - عز وجل - ، ولكن هناك ما قد نسميه تجاوزاً للحد ، أو زيادة عن القدر المطلوب ، وهذا لمسته في بعض الأسئلة التي يذكرها الشباب ، فيأتي أحدهم ويقول إن لي صلة بفلان من الناس ، أو بأخٍ لي ، أو بجار لأدعوه إلى الخير ، ولكنني أشعر أن هذه الصلة ليست هي الصلة المطلوبة في الأخوة في الله ..
أشعر أن هناك أمراً آخر ليس مندرجاً في هذا الإطار ، أو تحت هذا العنوان ، وقد يجد لهذا صور أذكر بعضها لكنني أحب أن أشير ابتداءً إلى أن وجود المحبة العاطفية البحتة مع الأخوة الإيمانية ليس أمراً معيباً ولا معترضاً عليه ؛ فإننا عندما نقول - على سبيل المثال - إن أصدق وأعظم وأكبر محبة للنبي - عليه الصلاة والسلام - اتباعه فيما أمر ، وفيما نهى عنه وزجر ، فلا يعني ذلك أن نتبعه ونحن متجردين من عاطفة الحب الصادقة ، ولسنا نتبعه - عليه الصلاة والسلام - لمجرد الأمر والنهي ، بل هذا أصدق أنواع الاتباع ويؤيده ويجعل له استمراريته وحيويته وقوته .
إن قلوبنا تخفق بالمحبة الخالصة العاطفية له - عليه الصلاة والسلام - لما له من عظيم الخلال ، وكريم السجايا ، والمنزلة العالية عند الله - عز وجل - ، والنعمة والفضل الذي أسداه لهذه الأمة ولكل فرد منها.
وكذلك عندما تريد من خلال هذه الأخوة أن توجه وأن تنصح ؛ فإنك لا يمكن أن تنفصم عن المحبة العادية الفطرية ، بل هي قرينة لهذا ، ولكن الصورة التي فيها بعض الخلل أو النقص أو التجاوز هي التي يذكرها بعض الشباب ، لها صور معينة أذكر بعض منها
أسباب التعلق الزائد
أولاً: عدم ضبط المحبة الفطرية ؛ فالمحبة الفطرية أمر طبعي لا اعتراض عليه ، ولكن عدم التيقظ قد يجعلها تزيد إلى أن تكون محبة عاطفية بحتة ، كمحبة المحبين والعشاق.
ثانياً: الخلطة الزائدة ، فبعض الناس أو بعض الشباب بحكم الدعوة ، لا يكاد يصبح صباحاً ، ولا يمسي مساءً ، إلا وهو مع هذا المدعو ، بحجة أن يقوّم سلوكه ، وأن يدعوه ، وقد ذكرت أن من الخطأ أن نكون مثل اللصقة التي لا تنفصم عن الجلد ، معه ليلاً ونهاراً .. صبحاً ومساءً ؛ فإذا غبنا عنه اتصلنا به ، لا أعيب الاتصال ، لكن اتصلنا به كأننا لا يمكن أن ننفصل عنه أو ننفصم منه هذا سبب من أسباب وجود العلاقة التي قد يكون فيها مأخذ.
ثالثاً: عدم وضوح الهدف وقوة التربية عند الداعية ؛ فإن هدفك من صلتك بكل إنسان هو هدف إسلامي ، ترجو فيه الأجر لنفسك ، والخير لغيرك ؛ فإن غاب عنك هذا الهدف تكون كحال الصياد الذي ذهب ليصيد في البحر ، وأخذ معه عدته ، وهو يعلم أن هذا مصدر رزقه ، لكنه عندما ذهب أعجبته زرقة البحر ، وانكسار الأمواج ، وانعكاس الشمس في غروبها ، وضلال الأشجار فجعل ينظر إلى هذه المناظر الجميلة ، ويأنس بها ، وربما يكتب الأشعار ، ويدبج المقالات ، ونسي الهدف الذي ذهب لأجله ، وهنا قد ينصرف الداعية لاسيما إذا كان في مقتبل العمر وأول الشباب إلى لطافة وظرف وحسن هيئة وتأنق عند المدعو ، فإذا به يعجب بهذا ، وينسى ذلك الهدف الذي كان أساس تلك الصلة ، ويلحق بذلك عدم قوة التربية في الداعية بمعنى أنه ليس عنده التربية التي تجعله يضبط عواطفه ، ويعرف كيف يقوم ويسوس الأمور.