فهرس الكتاب

الصفحة 3221 من 9994

رابعاً:النواحي المادية الصرفة وهذا أمر لابد أن نعرفه بوضوح وجلاء ؛ فإن بعض التعلق قد يكون لما عند ذلك المدعو من مال أو جاه ، أو كذلك لما عنده من هيئة حسنة ، ولا نعجب من ذلك ؛ فإن سلف الأمة قد تكلموا في مسائل قد نعجب منها ، أو يراها البعض بعيدة عن التصور ، وقد يظنها البعض منطوية على بعض التشدد ، وإنما هو معرفتهم الصحيحة بطبيعة النفس البشربة . عندما كان العلماء يتحدثون على سبيل المثال عن الاختلاط أو النظر للأمرد ، أو كيف يكون مجلسه و مكانه في مجلس العلم أو غير ذلك مما ورد عن بعض الآثار في شأن وتصرفات سلف الأمة وبعض العلماء ، يدل على أن الناحية المادية في الشكل والمعنى والمضمون لها أثرها ، فينبغي للمرء أن لا يغفل عن هذا ، وقد يسأل الشاب ويقول كيف أميز علاقتي بالمدعو حتى أعرف إن كانت في المسار أو خرجت عن الإطار ؟ فأقول هناك بعض الملامح لعلك إن سألت نفسك عنها وصارحت نفسك بها ، وجدت الحل الذي يجعلك تنتبه إن كنت قد وقعت في بعض الخطأ:

1-مدى لزوم استمرار الصلة . ما مدى ما في نفسك من لزوم استمرار الصلة ؟ هل أنت ترى من أنه لا بد ألا يمر يوم إلا وتراه ، وألا تمر ساعة إلا وتتصل به ، وألا يكون لك غرض في أن تذهب إلى مكان إلا وتصطحبه وترافقه ، إذا كان هذا متأصل وبقوة ، فاعلم أن هذا مظهر من المظاهر التي قد تعطي مؤشراً للتنبيه من الخطأ.

2-عدم النصح في الأخطاء ، وهذا معلم بارز عندما يخطئ هذا المدعو فالأصل أنك تنصحه . لا أقول لك أغلظ له في القول ، لا أقول لك كن عنيفاً معه ، لكن إذا لم تنصح لا تصريحاً ولا تلميحاً ولا بالحكمة ولا بالأسلوب الحسن ، بل كان همك أو ديدنك غض الطرف ، فاعلم أنك قد وافقته في هواه ، وأنك قد تغلغل بعض الحب في قلبك ، فلم تعد تريد أن تغضبه ، أو أن تكسر خاطره ، أو أن تجرح مشاعره ، أو تخالفه في رأي أو قول ، فإذا أردت أن تذهب للنزهة في مكان واختار هو مكاناً آخر قد يكون فيه ما فيه ؛ فإنك لا تعارضه في ذلك.

3-التبرير لكل خطأ أو لكل نقد قد تسمعه من غيرك . لا تكتفي بمجرد إقرارك بأخطائه ، بل يقولون لك: إن فلان فيه اعتداد بنفسه أو غرور فتقول:لا إن الله جميل يحب الجمال ، يقولون لك: إنه يفعل كذا وكذا ، فتقول: إن طبيعة بيئته أو ظرفه كذا وكذا إذاً فأنت هنا أيضاً تبرر أموراً كثيرة لا بأس أن تلتمس لأخيك الأعذار لكن كثرة التبرير ودوامه مؤشرٌ من هذه المؤشرات.

رابعاً: التأثر بالغيرة من الآخرين ؛ فإنك إن رأيته صحب فلان انقبضت نفسك وإن رأيته كان متأثراً أو معجباً أو مشيداً ومادحاً في فلان لعلمه أو لحسن بلاغته ، أو لقوة تأثيره أو كذا رأيت أن ذلك يشعرك ببعض الضيق أو التبرم ، فاعلم أن هذه المؤشرات والصور كلها دلالات على أن المسار قد خرج عن الإطار المطلوب فاضبط عاطفتك بضابط الشرع ، ونضمها وقومها بالعقل الذي تخطط فيه هذه الدعوة مع هذا المدعو فتحكم الأمر وتقول سأفعل معه كذا وسأعطيه كذا وسأسأله عن كذا وسأعالج فيه أمر كذا من خلال كذا وكذا ولا تترك الأمر هكذا عبثاً ومجالس فيها حك وكلام ينتج عنها مثل هذه المواقف.

الجانب الثاني أو العاطفة الثانية وهي ذات خطب عظيم وكبير وهي عاطفة الحماسة وقد سلف لنا في حديث الجمعة الماضية أيضاً في حديث الهجرة وواقع الدعوة كلام يمس هذا الجانب في إطاره العام ؛ فإن الحماس عاطفة طيبة ، وهي عاطفة الغيرة الإيمانية التي امتدحها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ( أتعجبون من غيرة سعد فوالله إني لأغير منه ) وكان النبي - عليه الصلاة والسلام - لا يغضب لشيء إلا أن تنتهك محارم الله - عز وجل - فلا يقوم لغضبه قائم .

هذه العاطفة ؛ من النصرة للمسلمين والغيرة على هذا الدين ، والحمية ضد أعداء الإسلام والمسلمين ، عاطفة عظيمة جداً هي أساس من أساسيات وصور وقوة إيمان المسلم ، ولكن هذه الحماسة قد تندفع فتطغى ويأتي من وراءها كثير من الأمور والمخاطر ، وقد يقول قائل أيضاً في جانب آخر: لابد أن نضبط العاطفة الحماسية ولابد أن نقيدها ، ولابد أن نروضها ، ويبالغ في هذا حتى يئدها ويقتلها .

نحن لا نريد للجمرة أن تنطفئ ، لكننا نريد أن يبقى فيها بقية الجمر حتى إذا تدحرجت في الوقت المناسب أشعلت تلك الأوراق والأخشاب أو الهشيم أو الحصير الذي تلامسه فتشعله فيؤدي ذلك الاشتعال إلى المطلوب ، لكن تلك الحكمة التي يزعمها بعض الناس ، ويريدون أن يطفئوا بها جذوة الحماسة ، وأن يجعلوا أجيال الإسلام ، وشباب الدعوة راكنين إلى الدنيا ، مطمئنين إلى ملذاتها ، يشربون بارد الشراب ، ويأكلون طيب الطعام ، ولا تتغير نفوسهم غيرةً ولا غضباً ، ولا حميةً لدين الله ، لا في كلمة حماسية ، ولا في غيرةإيمانية ، ولا في إنكار منكر ، هذا ليس مطلوباً !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت