فهرس الكتاب

الصفحة 3222 من 9994

وفي الجانب الآخر ليس مطلوباً ذلك الاندفاع الذي يؤدي بالدعوة إلى المخاطر والمهاوي فيما يتعلق بمواجهة الأعداء ، أو بظروف الضغط والاضطهاد والتعذيب والمطاردة والملاحقة للدعوة والدعاة ؛ فإن للمسلم أمور كثيرة أولها: أنه منضبط بضابط الشرع فليس هو متصرف بردود الأفعال وليعلم ما قاله الصحابة في بيعة العقبة للنبي - عليه الصلاة والسلام -: لو شئت أن نميل على أهل الوادي لفعلنا . فقال: ( كلا ! فإنا لم نؤمر بذلك ) .

وليعلم كيف روض النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك العاطفة المتدفقة في عمر - رضي الله عنه - يوم الحديبية لما جاء وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال: بلى . قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟! عاطفة صادقة لم ينكرها - صلى الله عليه وسلم - ولم يعبها على عمر ، ولكنه قال: إني رسول الله وإنه لن يضيعني . فذهب إلى أبي بكر ليرى رجاحة العقل ، واستقرار النفس ، وقال له ماقاله للنبي - عليه الصلاة والسلام - فقال أبو بكر: الزم غرزه فإنه رسول الله ، ذلك هو الفرق بين رجاحة العقل وسكون النفس عند أبي بكر ، فلم تجمح به العاطفة ولو في إطارها المقبول ، وتلك العاطفة المتدفقة من عمر - رضي الله عنه - لم تنطلق من إسارها ، بل رجعت على أعقابها بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا قد وقع في نفوس الصحابة يوم الحديبية ، ولست في صدد ذكر الأحداث ، ولكن لما جاء أبو جندل يرسف في قيوده ، والمسلمون على بعد خطوات منه ، وهو يستنجد بهم ويصرخ ، ويريد أن يلحق بهم ويخرج من هذا الاضطهاد ، وهم الذين خاضوا المعارك ، وضحوا بالشهداء ، ويرون هذا المنظر أمام أعينهم ، ولكنهم ينضبطون ويلتزمون حكم النبي - عليه الصلاة والسلام - ويقع في نفوسهم أيضاً أنهم عندما أمرهم - عليه الصلاة والسلام - أن يحلقوا رؤوسهم ، ويتحللوا من عمرتهم ، فلم يستجيبوا في أول الأمر ، لما كان قد خالط القلوب والنفوس من هم وغم وكرب وضيق ، فلما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشورة أم سلمة فحلق ، ابتدروا يحلقون حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً ، وحتى سالت دماء بعضهم - رضوان الله عليهم أجمعين - .

إذاً لابد من هذه العاطفة المتأججة في الشباب أن لا تستفز ، وأن نعلم أن أعداء الدعوة يريدون لها أن تستفز ، وأن تخرج عن إطارها ، ليشوهوا صورة الدعاة ، ويروا الناس أنهم متهورون ، وأن تصرفاتهم هوجاء ، وليست الحماسة المندفعة في التصرفات ، بل في الكلمات ، فأنت تسمع من الكلمات ما قد يكون أفتك وأخطر وأكثر هولاً من الأفعال ، لأن الكلمات فيها أحكام ، ولنا مع الكلمة جولة - إن شاء الله - كما سأذكر في آخر الحديث ما أسباب تلك الحماسة التي قد تندفع وتخرج عن الإطار:

الأسباب الدافعة للحماسة

أولاً: الدافع النفسي ؛ إذ في النفوس حمية وطبيعة لقطف الثمرة ، وتحقيق الفكرة إذا اقتنعت بفكرة ؛ فإنني أحب أن تتحقق الفكرة الآن قبل أي وقت آخر ، وهذا طبع بشري .

ثانياً: الحرارة الإيمانية ؛ الإيمان الذي يذكي حماسة القلب والنفس ويريد لها أن تندفع ولكن إذا تمعن فليعلم قول الله - عز وجل - { فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } ليس المسلم الذي يستجيب للعاطفة دون هذا الضبط أيضاً هناك واقع أعداء الدعوة الذين يحكمون قبضتهم على كثير من مقدرات المسلمين ، ليس في بلاد الكفر ، بل في بلاد الإسلام والمسلمين ، فأنت ترى القبضة محكمة في إطار الحكم والسياسة ، وفي إطار التربية والتعليم، وفي إطار الدعاية والإعلام ، فقلّ أن تجد في كثير من بلاد الإسلام نصرةً للدين والدعوة ، بل على العكس تجد في كثير من ممارساتها حرباً على الدين والدعوة ، وهذا يستفز المشاعر أيما استفزاز ، كيف نكون في بلد إسلامي وإذا بصحف في تلك البلاد أو مشاهد في إعلامها تعلن الكفر الصريح ، دون أن يسمح لمعترض أن يعترض ، أو لمنكر أن ينكر ، إن ذلك قد يكون أحياناً أكبر مما تحتمله بعض النفوس التي لم تروض ولم ترب التربية الكافية.

وأيضاً من الأسباب ؛ الجهل بأساليب الكيف الذي يخطط لها الأعداء ويمارسونها لهم أساليب ملتوية وخبيثة يريدون من خلالها الدعاة والشباب منهم على وجه الخصوص فيما لا تحمد عقباه.

ثالثاً: كثرة المنكرات التي تواجه الشباب في كثير من الوقائع العملية سماعاً ونظراً وقراءةً وفي كل الصور.

رابعاً: ضعف النفوس عن طول الطريق ؛ فإن الطاقات تختلف ، فلو تصورت الدعوة عبارة عن حمل ثقيل ، فهناك أصحاب أجسام قوية ، وعضلات فتية ، يمكن أن يحمل ويسير ما شاء الله له أن يسير ولا يتعب ، ومنهم من يمشي بعض خطوات أو قليل من الطريق ثم يقول: لابد أن أتخفف ، وأن أنطلق لأبلغ المراد من غير هذا الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت