فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله المنفرد بالبقاء والقهر، الواحدِ الأحدِ الفرد الصمد، ذي العِزَّة والستر، الذي لا ندَّ له فيبارَى، ولا معارض له فيمارى، ولا شريك له فيدارى، كتب الفناء على أهل هذه الدار، وجعل عقبى الذين اتقوا الجنة وعقبى الكافرين النار، قدر مقادير الخلائق وأقسامها، وبعث أمراضها وأسقامها، وخلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، وجعل للذين أحسنوا الدرجات، وللذين أساؤا الدركات، رحمة وعدلًا، أحمده على حلو القضاء ومره، وأعوذ به من سطواته ومكره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهًا لم يزل عظيمًا عليًا، جبارًا قهارًا قويًا، جل عن التشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير، وتقدَّس عن التعطيل، وتنزه عن التمثيل.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعباد، ونقمة على الكفرة من أهل البلاد، فدعا إلى الجنة، وأرشدهم إلى اتباع السنة، وجعل أعلاهم منزلة أعظمهم صبرًا، فمن استرجع في مصيبته واحتسبها ذخرًا، كان له منزلةً عاليةً وقدرًا، وكان مقتفيًا هديًا ومتبعًا أثرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته الأخيار، وسلم تسليمًا كثيرًا مستمرًا متصلًا متعاقبًا ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
أيها المسلمون: يقول الله-تبارك وتعالى-: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:157) .
وقال-تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التغابن:11) . قال علقمة وجماعة من المفسرين:"هي المصائب تصيب الرجل، فيعلم أنه من عند الله فيرضى ويسلم".
عباد الله: إن المصاب لا بد أن يعلم أن الذي ابتلاه بمصيبته أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل البلاء ليُهلكه به ولا ليعذبه، ولا ليجتاحه، وإنما ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرّعه وابتهاله وليراه طريحًا على بابه لائذًا بجنابه، مكسور القلب بين يديه رافعًا قصص الشكوى إليه (1) .قال الله-تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155) .
وقال-تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10) . وقال-تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد:31) .
أيها المسلمون: إن الله-سبحانه وتعالى-قد بشر أصحاب المصائب إنهم صبروا بالأجر العظيم والكبير، فلله الحمد على فضله وجزيل عطائه، وهذا رسوله-صلى الله عليه وسلم-يبشر الصابرين على المصائب، بقوله: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذىً ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كثر بها من خطاياه) (2) .
وقال-عليه الصلاة والسلام-: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (3) . فإذا صبر صاحب المصيبة حصل على الأجر والثواب والمغفرة والرحمة.
قال الفضيل بن عياض-رحمه الله-:"إن الله-عزوجل-ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير" (4) .
عبد الله: متى ما أصابك مكروه في بدنك, أو مالك, أو ولدك، أو حبيبك فاعلم أن الذي قدره حكيم عليم لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا يقُدر شيئًا سدى، وأنه- تعالى-رحيم قد تنوعت رحمته على عبده، يرحمه فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ويرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة ومتأخرة عنها، ويرحمه أيضًا بأن يجعل له بذلك البلاء مكفرًا لذنوبه وآثامه ومنميًا لحسناته ورافعًا لدرجاته (5) .
أيها الأخ المصاب: انظر في حال الأنبياء وهم أرفع درجة من غيرهم إلا أن الله-سبحانه وتعالى-ابتلاهم بأنواع الابتلاءات لكي يختبرهم, ويمتحنهم, ولكنهم عباد الله الذين اصطفاهم كانوا أصبر الناس على البلوى قال ابن الجوزي-رحمه الله-يصف ابتلاءات الأنبياء حيث قال:"ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى ذهب بصره، وموسى يقاسي فرعون, ويلقى من قومه المحن، وعيسى بن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك، ومحمد-صلى الله عليه وعليهم أجمعين- يصابر الفقر، وقتل عمه حمزة وهو أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عنه، وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء، ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ للمؤمن منها (6) ."
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (7) .
طُبِعَتْ عَلَى كَدْرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا صَفْوًا مِنَ الأَقْذاءِ وَالأَكْدَارِ
وعن أبي سعيد الخدري-رضي الله عنه-قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء) قلت: ثم من؟ قال: (الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) (8) .فما عليك أيها المصاب إلا أن تتأسى بأنبياء الله، فتصبر على ما أصابك، وتحتسب الأجر من الله-عزوجل-.
أيها المصاب الكريم: اعلم أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته، بل يعلم المصاب أن الجزع يشمتُ عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات في الأمر الديني قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر) فهذا هو الكمال الأعظم، لا لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والتسخط على المقدور (9) .
قال ابن عبد العزيز لأمٍ مات ابنها: اتق الله واحتسبيه عند الله واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع (10) .
أيها المسلمون عباد الله: إن الناس عن المصيبة ينقسمون إلى أربعة مراتب كل بحسب إيمانه، وصبره، ورضاه بقضاء الله وقدره فالأول
التسخط: وهو على أنواع:
الأول: أن يكون بالقلب كأن يتسخط على ربه يغتاظ مما قدره الله عليه، فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر قال- تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} (الحج:11) .
الثاني: أن يكون التسخط باللسان كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام.
الثالث: أن يكون التسخط بالجوارح كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور وما أشبه ذلك وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.
المرتبة الثانية الصبر: وهو كما قال الشاعر:
والصبرُ مثل اسمه مر مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل