فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله، وهو يكره وقوعه ولكن يحميه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده، وهذا واجب؛ لأن الله-تعالى-أمر بالصبر فقال: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (لأنفال: من الآية46) .
المرتبة الثالثة: الرضاء بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملًا ثقيلًا، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر؛ لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا ، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه لكن صبر عليه.
المرتبة الرابعة: الشكر: وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته وربما لزيادة حسناته قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها الشوكة يشاكها) (11) .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله العظيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على نعمائه، والشكر له على إحسانه وتوفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
أحبتي الكرام: يقول-تبارك وتعالى-: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة:156) ، وقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلاَّ آجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيرًا منها) . وقد تضمنت هذه الآية الكريم قوله إنا لله وإليه راجعون"علاجًا من الله ورسوله لأهل المصائب. فإنها من أبلغ علاج المصائب، وأنفعه للعبد في عاجله وآجله، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته."
فالمصاب لا بد أن يتذكر أمورًا لكي يتسلى بها عن مصابه، فمن هذه الأمور ما يلي:
أولًا: الإيمان بالقضاء والقدر وأن ما أصابك من الفجيعة بفقد حبيب إنما هو بقدر الله، لم يأت من عدو ولا حاسد قال-تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51) .
وقال-تعالى-: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (التغابن: من الآية11) , وقال-عليه الصلاة والسلام-: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنه) (12) .
ثانيًا: العلم بأن الموت سبيل كل حي, وأن الجميع مصيرهم إليه. قال-تعالى-: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (آل عمران: من الآية185) .
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدبا محمول
وقال آخر:
وما الناس إلا هالك وابن هالك وذو نسب في الهالكين عريق
ثالثًا: أن تعلم عبد الله: أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، لذا فهي مليئة بالمصائب، والأكدار, والأحزان كما قال الله-تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة:155) .
رابعًا: أخي الكريم: اعلم أن الجزع لا يفيد، بل يضاعف المصيبة، ويفوت الأجر، ويعرض المرء للإثم . قال علي ابن أبي طالب-رضي الله عنه-:"إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت المقادير وأنت مأزور".
خامسًا: أن تتذكر أن العبد وأهله وماله ملك لله -عز وجل-فله ما أخذ، وله ما أعطى ، وكل شي عنده بأجل مسمى ، قال لبيد:
وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع
سادسًا: التعزي بالمصيبة العظمى، وهي مصيبة فقد النبي-صلى الله عليه وسلم- كما قال-عليه الصلاة والسلام-: (إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي ،فإنها أعظم المصائب) (13) .فلن تصاب الأمة بعد نبيها بمثل مصيبتها بفقده-عليه الصلاة والسلام-.
سابعًا: الاستعانة على المصيبة بالصلاة ،قال-تعالى-: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاة} (البقرة: من الآية153) وقد كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إذا حزبه أمر صلى" (14) . ومعنى حزبه:أي نزل به هم, أو أصابه غم .ولما أخبر ابن عباس بوفاة أحد إخوانه استرجع وصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ثم قام وهو يقول:"استعينوا بالصبر والصلاة".قال ابن حجر: أخرجه الطبري بإسناد حسن". ومعنى استرجع:"إنا لله وإنا إليه راجعون".
ثامنًا: تذكر ثواب المصائب والصبر عليها فقد وعد الله لمن صبر الجنة: قال-تعالى-: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد:24) .
وقال-عليه الصلاة والسلام-:"يقول الله-عز وجل-: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاءً إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) (15) وصفيه هو الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من يحبه الإنسان، والمراد باحتسبه: صبر على فقده راجيًا الأجر من الله على ذلك."
اللهم اغفر لنا ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم هون علينا مصائب الدينا، اللهم عزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك.
والله المستعان.
1 -راجع: تسلية أهل المصائب ص (225) .
2 -متفق عليه.
3 -رواه مسلم.
4 -الإحياء (4/139) .
5 -الصبر وأثره ص (8) .
6 -ابن الجوزي.
7 -رواه مسلم (2956) .
8 -ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه رقم (144) .
9 -اصبر واحتسب عبد الملك القاسم ص (23) .
10 -تسلية أهل المصائب ص (224) .
11 -مجموع فتاوى ابن عثيمين (2/109) .
12 -رواه مسلم.
13 -رواه ابن سعد وصححه الألباني، في صحيح الجامع (347) .
14 -رواه أبو داود وحسن سنده ابن حجر، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (4703) .
15 -.رواه البخاري .