هكذا أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذه الفضائل ، وذكر لنا أن الشياطين تسلسل في شهر رمضان ، فكل هذا التخصيص الذي خصه الله سبحانه وتعالى وهذه الفضائل التي بلغها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلمهي السر الذي تجعل النفوس مهيأة للعبادة والطاعة .
السبب الثاني - وهو أيضاً مهم جداً - وهو: أن الإنسان المؤمن من المفروض يكون معلق القلب بالله صحيح القصد والتوجه نحو الله - سبحانه وتعالى - يجعل كل شأن من شئون حياته .. كل لفظة من كلماته ..كل حركة أو سكنة من سكناته عبادة لله سبحانه وتعالى .. {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } .
هذا هو الأمر المطلوب ، وهذا هو الشأن في العبد المؤمن الذي يكمل إيمانه والذي يعظم إخلاصه والذي يصدق توجهه لله - سبحانه وتعالى - ولكن ما الذي يحصل هذا القلب يتشتت في مهاوي وفي شهوات الدنيا وفي مشاغلها .
وهذا التشتت أخبر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ببعض الصوارف التي تصرف القلب عن الله - سبحانه وتعالى - وبين علاجها من شرع الله جل وعلا ونرى هذا العلاج متجسداً في شهر الصوم وفي شهر رمضان المبارك ، ما الذي يصرف القلب عن التعلّق والإخلاص لله سبحانه وتعالى ؟
فضول المنام: أي كثرته الزائدة عن الحد .
وفضول الكلام: أي كثرة الكلام فيما لا يرضي الله - سبحانه وتعالى - من غيبة أو نميمة أو كثرة الكلام باللغو الباطل من غير تلاوة ولا ذكر ولا علم ولا تعلم .
وكذلك فضول مخالطة الأنام: وكثرة الاختلاط بالناس والانشغال بهم والانشغال معهم والتعلق بهم والتفكير فيهم فينشغل القلب عن الله سبحانه وتعالى .
وكذلك كثرة الطعام والشراب: الذي تمتلأ به البطون وإذا امتلأت البطون كما يقولون: إذا امتلأت البطون ضعفت الأذهان .
وبذلك إذا أكل الإنسان كثيراً نام كثيراً وإذا نام كثيراً فاته خير كثير كما قال أسلافنا رحمة الله عليهم .
والله سبحانه وتعالى - كما يذكر شيخ الإسلام - قد شرع من الأمور ما يضاد هذه الشواغل وما يرد المؤمن إلى كمال تعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى .
فماذا شرع لفضول الكلام ؟ شرع لفضول الكلام وكثرته التعظيم للسكوت والتفضيل للسكوت إلا عن الخير كما أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) .
وكذلك شرع له كثرة الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم في وصيته العظيمة: ( لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ) .
وكما قال سبحانه وتعالى: { ورتل القرآن ترتيلاً } .
فإذاً هذا هو علاج كثرة الكلام الصمت إلا عن الخير والكلام والنطق بذكر الله - سبحانه وتعالى - هذا هو الأمر الذي شرعه الله لعلاج هذه الصوارف التي تصرف القلب عن الله .
والأمر الثاني في كثرة المنام: شرع الله - سبحانه وتعالى - صلاة القيام والتهجد والطاعة لله - سبحانه وتعالى - لترد المؤمن عن كثرة نومه وغفلته حتى أن كثيراً من الناس - نسأل الله السلامة - ينامون عن صلاة الفجر ويتحقق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ) .
ويتحقق قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح: ( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد ... ) .
أي نم ؛فإن الليل طويل لا تذكر الله ولا تسبح الله ولا تقوم لتصلي لله ولا تستيقظ لصلاة الفجر فشرع لأجل معالجة فضول المنام القيام وصلاة القيام .
وشرع لأجل فضول مخالطة الأنام سنة الاعتكاف ، التي هي في هذا الشهر العظيم وفي غيره أيضاً فالمعتكف يخلو عن الناس وينفرد في معتكفه وفي مسجده طائعاً لله - سبحانه وتعالى - لا يشغل وقته إلا بالذكر والتلاوة وبالصلاة والعبادة وبالدعاء والمناجاة ، ولا يتكلم في شأن من شئون الدنيا ، بل لا يخرج إليها ليشهدها ولا ينظر ما فيها وفي بهرجها ولا يختلط بالناس فيها.
حتى إن الفقهاء يقولون: إن المعتكف إذا اشترط الاعتكاف الكامل فإنه لا يخرج إلى دفن الجنائز بل يصلي عليها ولا يخرج معها إلى المقابر وذلك ليتم للعبد العكوف الكامل والإقامة الدائمة على طاعة الله ولذا يقول العلماء في الاعتكاف:"إنه عكوف القلب على الله سبحانه وتعالى".
فما أعظم هذه السنة ! التي يلمح الإنسان فيها كم يفيض الله عليه من الخير وكم يكون قلبه صافياً خالصاً ونفسه مطمئنة ساكنة وقوته عظيمة كبيرة في طاعة الله ؛ لأنه تفرغ عن هذه المشاغل .
وشرع لفضول الشراب والطعام: الذي أخبر عليه الصلاة والسلام أنه علاج ووجا للشهوة .
كما قال عليه الصلاة والسلام: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) .
قال أهل العلم:"وجاء - أي علاج أو وجاء - بمعنى القطع وجئ يعني قطع فهو قاطع للشهوة مقلل لها".