فالصائم حينما يصوم يضيق مجرى الشيطان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الشيطان يجري من ابن أدم مجرى الدم في العروق فضيقوا مجراه بالصوم .
فهذه إذاً تحققت بهذه العلاجات الربانية حينما تتحقق يكون الإنسان مهيئاً للعبادة أكثر ويكونه إقباله عليها أعظم .
ولو تأملنا لوجدنا هذه الأمور كلها كلها في هذا الشهر . ففيه الصيام امتناع عن الشراب والطعام ، وفيه القيام إحياء لليل بالعبادة والتلاوة والصلاة ، وفيه الاعتكاف اختلاء بالله وبعد عن الناس .
وفيه أيضا كثرة الذكر والتحذير من أن ينشغل اللسان بشيء مما فيه مذمة هو مذموم في كل وقت ، ولكن ذمه في رمضان أكثر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) .
وقال عليه الصلاة والسلام: ( فإن سابه أحد أو شتمه فليقل إني صائم ) .
هذه التربية الإيمانية كلها في شهر رمضان وبالتالي من البديهي أن يكون الإنسان الذي امتنع عن الطعام والشراب والذي لهج لسانه بذكر الله . وامتنع عن الغيبة والنميمة والزور وغير ذلك من لغو الكلام وباطلة .
وامتنع عن كثرة مخالطة الناس فأغلب وقته منشغل بالعبادة والطاعة لله سبحانه وتعالى ، وامتنع عن كثرة النوم فإذا به يحي ليله ونهاره بالعبادة أليس ذلك له أثر في القلب والنفس .
فإذا الإقبال يكون عظيماً ومن هنا أي من هذا الاختيار الذي اختاره الله تفضيلاً لهذا الشهر والفضيلة الذي ساقها فيه.
ثم من الظروف الأخرى التي تهيئ النفس والقلب لأن تكون قريبة من الله سبحانه وتعالى من هنا تعظم العبادة ومن هنا تعظم قوة الروح فإذا هذا الإنسان الذي لو طلب منه قبل شهر رمضان بليلة واحدة أن يصلي ركعتين ربما تقاعس أو تكاسل ولو صلى لإمام فيما قبل رمضان أو فيما بعد رمضان يريد الناس أن يصلوا ورائه لم يصل معه أحد وما ذلك إلا لأن النفوس بهذه الفرائض وبهذه السنن تتهيأ للإقبال على طاعة الله فالسعيد من فطن للأمرين ومن أتى بهم على وجههما فتكمل حينئذ عبادته ويصح إقباله على الله ويرى من خيرات العبادة ولذتها وراحتها ما يجعله مستأنسا بها راجيا في ثواب الله سبحانه وتعالى .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
وإن هذا الذي أشرت إليه هو الذي يحصل عند الإنسان المسلم الذي يعرف أمر الله - جل وعلا - ويعرف رحمة الله وخيره الذي يسوقه إليه عندما يعرف هذه الفضيلة ويمتثل تلك السنن التي أشرنا إليها يحصل له الأمر المهم الذي به يرى ما يرى من الخير والبركة وذلك الأمر هو أن يشعر بأنه أتى بالعبادة على كمالها بتمام خشوعها وبكمال إخلاصها وبعظمة استشعار واستحضار مقامه بين يدي الله سبحانه وتعالى ومن هنا إذا أتى بها على هذا النحو وجد لذتها وذاق حلاوتها.
مشكلتنا في عبادتنا - إلا من رحم الله - أننا لا نأتي بها على وجهها الكامل .. قلوبنا منشغلة ضاربة في أودية الدنيا .. عقولنا تفكّر هنا وهنا فلا نقبل على الله ، وبالتالي لا نجد لذة العبادة ولا نجد روحانيتها ولا نجد راحتها وسكينتها وإذا لم نجد ذلك فإن العبادة تكون علينا شاقة فالذي لا ينفل بهذا ويتأثر به تكون العبادة وكأنها حمل ثقيل ينوء به كاهله .
وبعض الناس اللذين لا يعرفون هذا الخير يرون رمضان كأنه عقوبة إجبارية وكأنه محنة ومشقة فريضة عليهم فينتظرون مغرب كل يوم بفارق الصبر ليبطلوا كل هذه الآثار الكريمة فيملئون بطونهم بالطعام والشراب إلى حد التخمة وإذا جاء النهار قتلوه نوماً وكسلاً وأفنوا بذلك سنة القيام.
وكذلك يجتمعون في مجالس يغتابون فيها أو يتحدثون فيها بشئون الدنيا أو ينصرفون أو كذا ، وكذلك يكثرون بالاختلاط بالدنيا وأسباب الدنيا في بعض أحوالهم أكثر من غيرها ، فإذا بهم يتفننون بالشراء من الأسواق وإذا بهم يفرغون كثيراً من الأوقات للذهاب هنا وهناك وللانتقال بين الأسواق ولا يحلوا لهم أن يشتروا أشياءهم إلا في هذا الشهر ، ولا يحلوا لهم أن يقضوا بعض أمورهم إلا في هذا الشهر ، فحينئذ أمثال هؤلاء لا ينتفعون بالشهر ولا يجدون لذته ولا يجدون أثر العبادة فيكون الأمر عليهم شاقاً ، فإذا صلى الإمام في التراويح فقرأ بضع آيات شعروا بأنه قد أثقل عليهم وطلبوا منه التخفيف وما عرفوا ما كان من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وليس كذلك له - عليه الصلاة والسلام - بل في أصحابه وليس في أصحابه بل فيمن جاء بعدهم تلك الأمثلة التي حينما نسردها يظنها بعض الناس خيالاً وما هي بخيال ، ويظنونها محالاً وما هي بمحال .