فهرس الكتاب

الصفحة 3236 من 9994

ولكن الذي يجد لذة العبادة ويجد راحتها لا تشق عليه مهما طالت ومهما كانت متعبة مرهقة ؛ لأن قلبه مطمئن بها ولأن نفسه مقبلة عليها ولأن صدره منشرح لها ولأنه يقبل إليها إقبال المحب إلى حبيبه وإقبال العطشان الذي بلغ به الظمأ إقباله على الماء فهل تراه يستصعب المسافة أو يستثقل الجهد إنه يقبل لأنه يروي ظمأه لأنه يبلل عروقه لأنه يقوي نفسه لأنه يجد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) .

أي كمال الطمأنينة والسكينة والراحة والأنس إنما هو في العبادة إذا أتى بها على وجهها ، ويقول عليه الصلاة والسلام: ( أرحنا بها يا بلال ) .

فكانت راحته التي يأنس إليها وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وحقق قول الله سبحانه وتعالى: { يأيها الذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } .

من هنا فقط إذا أتينا أو إذا عرفنا هذه الأسرار وتفاعلنا بها وجدنا اللذة وإذا وجدنا اللذة كان الإقبال وكان قوة الاحتمال وهذا الذي يفسر لنا ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أخبرنا ابن مسعود أنه صلّى خلف النبي - عليه الصلاة والسلام - فافتتح البقرة قال: فقلت يركع عند المائة ، فتجاوزها ، فقلت: يركع عند المائتين ، فتجاوزها ، فقلت: يركع عند أخر السورة ، فتجاوزها حتى قرأ النساء ، قلت: يركع عند أخرها فتجاوزها حتى قرأ آل عمران ، قال ابن مسعود: حتى هممت بأمر سوء . قيل ما هممت يا ابن مسعود: قال هممت أن أقعد وأدعه ؛ لأنه لم يستطع أن يواكب النبي عليه الصلاة والسلام .

فهل للنبي قوة من ناحية المادية أقوى من ابن مسعود ..كان ابن مسعود أشب منه وأصغر سناً ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أكمل في عبادته وخشيته وتعلق قلبه بالله فوجد لذته في العبادة ، فمهما طالت ومهما شقت ؛ فإنها عندما تلاقي القلب المطمئن والنفس الراضية لا يحصل من ذلك ولم يكن ذلك له عليه الصلاة والسلام كما أشرت بل لأصحابه كما ورد في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه مرة فقال له: ( يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم فلا تفطر وتصلي فلا تنام وتقرأ القرآن في كل ليلة ؟ ) ، هذا الذي بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عبد الله بن عمرو بن العاص - وهو شاب صغير - أيضاً أنه كان يصوم فلا يفطر يعني يصوم الأيام كلها يوما إثر يوم ، وأنه يصلي فلا ينام أي يقوم الليل كله حتى الفجر ، وأنه يقرأ القرآن في كل ليله .

فقال: بلى يا رسول الله هذا أمر كائن .

آخر الحديث النبي - عليه الصلاة والسلام - برحمته ومنهجه وشرعه الذي بلغه عن الله رده عن الاعتدال قال: ( صم يوم وأفطر يوم ، ونم نصف الليل ثم قم ثلثه ثم نم سدسه ) ، ورده إلى أن يختم القرآن في خمس أو في سبع .

لكن الشاهد هو كيف كانت قوة عبد الله حتى كان يطيق هذا ما كانت عنده قوة إلى أنه أقبل إقبالاً خالصاً وأخلص إخلاصاً كاملاً فحينئذ حصلت له لذة العبادة فهانت عليه مشقتها .

وكذلك كان كثير من الصحابة رضوان الله عليهم حتى ذكر في وصفهم أنهم إذا قاموا إلى الصلاة جاءت الطير فوقعت على رؤسهم .

لأنهم كانوا من طول وقوفهم ومن قلة حركتهم وكثرة سكونهم كأنهم بأمثال الأشجار أو الأعمدة تأتي الطير فتقف عليها لا تراها متحركة ، وهذا من عظمة إقبالهم على الله - سبحانه وتعالى - وشيخ الإسلام الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه ذكر في ترجمته:"أنه بعد أن أسن وبلغ الثمانين عاماً وجلد في فتنة خلق القرآن ، ضعف جسمه بسبب السن وبسبب التعذيب ، فصار يصلي في كل يوم وفي كل ليله مائة وخمسين ركعة ، وقد كان ورده وصلاته من قبل ذلك ثلاثمائة ركعة".

فهذا في الثمانين وقد عذب وجلد ثم هو يصلي مائة وخمسين ركعة . هل كانت عنده قوة بدنية ؟

كلا ! ولكنها قوة الروح حينما تخلص لله سبحانه وتعالى وتصدق في توجهها.

فإذا اغتنمنا هذا الشهر وانتفعنا به وبالفعل جعلنا الصوم مقللاً للطعام والشراب . وجعلنا القيام مقللاً للنوم والكسل . وجعلنا الاعتكاف مخلصاً للإنسان في وقت من الزمن يخلوا به مع ربه سبحانه وتعالى . وجعلنا الذكر والقرآن مخلصاً من كثرة كلام واللغو سيحصل لنا نوع من صدق التوجه إلى الله وكمال الإخلاص.

نسأل الله - سبحانه وتعالى - من فضله وحينئذ نشعر بلذة العبادة فتخشع قلوبنا وتذرف عيوننا وتسجد جباهنا وتطمئن قلوبنا ، ونبقى نحب هذه العبادة ونقبل عليها ونزداد منها ولا نستطيل فيها وفي أدائها وقتا ولا نستثقل فيها وفي أدائها جهدا بل تكون علينا بردا وسلاما ومحبة وشوقا لله سبحانه وتعالى .

أما حينما يغفل الإنسان عن هذا ويفرط في هذا الجانب ؛ فإنه لا يحظى في هذا الشهر بكثير من الخيرات . نعم يحظى بالخير -إن شاء الله - وبالأجر - إن شاء الله - لكنه يكون قاصراً عن هذه المرتبة التي شرع فيها في هذا الشهر من السنن ما يهيئ الإنسان لهذه المنزلة العظيمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت