فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
-وقَالَ بُرْدُ مولى ابنِ المُسَيّب ـ رحمةُ اللهِ عليهِ ـ: «مَا نُودي للصلاةِ منذُ أربعين سنة إلا وسعيدٌ في المسجد» (2) .
-وقَالَ رَبِيعةُ بنُ يزيد ـ رحمةُ اللهِ عليه ـ: «مَا أذّن المؤذنُ لصلاةِ الظهر منذُ أربعين سنة إلا وأنا في المسجدِ، إلاّ أنْ أكونَ مريضاً أو مسافراً» (3) .
-وقَالَ وَكِيعُ بنُ الجراح ـ رحمةُ اللهِ عليهِ ـ: «كَانَ الأعمشُ قَريباً مِنْ سبعين سنةً لمْ تفتهُ التكبيرةُ الأولى، واختلفتُ إليهِ قريباً مِنْ ستين فمَا رأيتُهُ يَقضي رَكْعةً» (4) .
-وقَالَ محمد بن سماعة القاضي ـ رحمةُ اللهِ عليهِ ـ: «مَكثتُ أربعين سنةً لم تفتني التكبيرةُ الأولى إلا يوماً واحداً ماتتْ فيه أمي، ففاتتني صلاةٌ واحدةٌ في جماعةٍ» (5) .
-وقَالَ أسيد بن جعفر ـ رحمةُ اللهِ عليهِ ـ: «بشرُ بنُ منصور ما فاتته التكبيرةُ الأولى قط، ولا رأيته قام في مسجدنا سائلٌ قط فلم يُعط شيئاً إلا أعطاه» (6) .
-وقَالَ يحيى بنُ مَعِين ـ رحمةُ اللهِ عليهِ ـ: «أقامَ يحيى بنُ سعيد (7) عشرين سنة يختم القرآن في كلِّ ليلةٍ (8) ، ولم يفته الزوالُ في المسجد أربعين سنة، وما رؤي يطلب جماعة قط» (9) .
قرأتُ هذه الأقوال ووقفتُ عند «خمسين سنة» ، و «أربعين سنة» ، و «عشرين سنة» ؛ متعجباً من هذه الهمّة والقوة في تربية النفس على الإيمان وأسبابه ـ في ضَوءِ هدي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابتِهِ الكرام.
ثمَّ تأملتُ في حالي وحالِ كثيرٍ من أبناء هذا الزمان في هذه المسائل الإيمانية العظيمة فذهلتُ من النتيجة؛ إذ لا يخلو يوم فضلاً عن أسبوع ـ دع الشهرَ والسّنة ـ من نَظَرٍ في قفا المصلين أو وجوههم.
إنّ هذا التأخر والتفويت نوعٌ من الضعف، ينبغي أن يقابَل بالقوة والحزم والعزم، قَالَ - تعالى -:
{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] .
{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} [البقرة: 93] .
{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 145] .
{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] .
وإذا حققنا هذه القوة في أنفسنا تحقق النصر الذي وعدنا الله إياه في كتابه الكريم.
فما أحسنَ أنْ يعاهدَ المسلم نفسه مِنْ الآن على المحافظةِ على الصلاة كما حَافظَ عليها أولئكَ.. فيكون في المسجدِ مع الآذان أو قبله ولا يتأخر!
قَالَ إبراهيمُ النخعيُّ: «إذا رأيتَ الرجلَ يتهاونُ في التكبيرةِ الأولى فاغسلْ يديكَ منه» (10) .
وفقنا اللهُ وإيّاك للعلم النافع والعمل الصالح.
(1) الطبقات الكبرى، 5/131.
(2) حلية الأولياء، 2/ 163، حلية الأولياء، 2/ 162، سير أعلام النبلاء، 4/ 221.
(3) المعرفة والتاريخ، 2/ 217، الثقات، 4/ 232.
(4) حلية الأولياء، 5/ 49.
(5) تاريخ بغداد، 5/341.
(6) حلية الأولياء، 6/240.
(7) هو القطّان.
(8) صحَّ النهي عن ختم القرآن في أقل من ثلاث ليال، وفي المسألة خلاف بين أهل العلم، ويظهر أنَّ القطّان ممن اجتهد ورأى أنه يجوز، والله أعلم.
(9) تاريخ بغداد، 14/141.
(10) حلية الأولياء، 4/215.
أعظم أنواع العبادة
صالح بن فوزان الفوزان
الحمد لله رب العالمين، أمر بالدعاء ووعد بالإجابة، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توعد المجرمين بالعقاب، ووعد المتقين بالإثابة. وبعد:
فإن الدعاء أعظم أنواع العبادة، فعن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - عن النبي قال: {الدعاء هو العبادة} ثم قرأ:"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر:60] [رواه أبو داود والترمذي. قال حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم] . وقد أمر الله بدعائه في آيات كثيرة، ووعد بالإجابة، أثنى على أنبيائه ورسله فقال:"إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" [الأنبياء:90] . وأخبر - سبحانه - أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فقال سبحانه لنبيه:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" [البقرة:186] .
وأمر - سبحانه - بدعائه والتضرع إليه، لا سيما عند الشدائد والكربات. وأخبر أنه لا يجيب المضطر ولا يكشف الضر إلا هو. فقال:"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ" [النمل:62] .