(وطالب النفوذ إلى الله والدار الآخرة، بل وإلى كل علم وصناعة ورئاسة، بحيث يكون رأساً في ذلك مقتداً به فيه، يحتاج أن كون شجاعاً مقداماً، حاكماً على وهمه، غير مقهور تحت سلطان تخيله، زاهداً في كل ما سوى مطلوبه عاشقاً لما توجه إليه، عارفاً بطريق الوصول إليه، والطرق القواطع عنه، مقدام الهمة، ثابت الجأش، لا يثنيه عن مطلوبه لوم لائم ولا عذل عاذل، كثير السكون، دائم الفكر، غير مائل مع لذة المدح ولا ألم الذم، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب معونته، لا تستفزه المعارضات، شعاره الصبر وراحته التعب)
همان يتطاردان:
حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا سيار حثنا جعفر قال سمعت مالكاً يقول: (بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك) .
جهل غيرك لا يغلب علمك
قال خالد بن صفوان: (إن أقواماً غرهم ستر الله، وفتنهم حسن الثناء، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك) .
قال قتادة بن دعامة السدوسي:
(قد رأينا والله أقواماً يسرعون إلى الفتن وينزعون فيها، وأمسك أقواماً عن ذلك هيبة لله ومخافة منه، فلما انكشفت، إذا الذين امسكوا أطيب نفساً، وأثلج صدوراً، وأخف ظهوراً من الذين أسرعوا إليها وينزعون فيها، وصارت أعمال أولئك حزازات على قلوبهم كلما ذكروها. وأيم الله! لو أن الناس كانوا يعرفون منها إذ أقبلت ما عرفوا منها إذ أدبرت لعقل فيها جيل من الناس كثير) .
صاحب القلب المريض ينكشف عند الغبرة
في وقت الرخاء والأمن تختلط الصفوف، ويصعب التمييز، فإذا وقعت الشدائد ونزلت الفتن اتضح الناس على حقيقتهم، كمثل المصدور عند صغاء الجو يختلط مع الأصحاء ولا ينكشف أمره إلا عند الغبرة. قال - تعالى - [ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله ما يشاء] .
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عوداً عوداً، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتت سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكت بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، ولآخر أسود مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه) .
الآثار السلوكية لتوحيد العبادة
د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
المهمة التي خلق الله البشر من أجلها هي عبادته وحده لا شريك له، قال الله - تعالى -:"وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ"الذاريات: 56 لكن الله - جل وعلا - مستغن عن الخلق كلهم، ولا حاجة له تبارك و تعالى - لعبادتهم كما جاء في الحديث القدسي: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) [1] ، وقد قال الله - تبارك وتعالى -:"لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ"الحج: 37 لكن نفع العبادة حاصل لنا أولاً وأخيراً، ولهذا قال العلماء: إن مبنى الشريعة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا والآخرة.
فعبادة الله - جل وعلا - هي المنهج الذي يحفظ لهذا الكون انتظامه وسيره دونما تخبط في أي ناحية من نواحي الحياة، وعلى أي مستوى من المستويات، وإن اختلال هذه العبادة اختلال لنظام هذا الكون، وبالتالي دخوله في دهاليز الضلال والانحطاط والفساد، على جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، قال الله - تعالى -:"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَاًتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ"الرعد: 41 .
فأداء العبادة كما أمر الله بها هو سبيل سعادة هذه البشرية بأكملها.
فالعبادة هي الزمام الذي يكبح جماح النفس البشرية، أن تلغ في شهواتها، وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن التمرد على شرع الله - تعالى - .
فالخلل في أداء العبادة مؤذن بالخلل في الكون. فأعظم مقاصد العبادة حصول التقوى التي هي الحاجز عن وقوع الإنسان في المعاصي، وهي كذلك المحرك الفعال لهذه النفس حتى تنطلق من قيود الأرض،
فترفرف في علياء السماء، وتنطلق في أفعال الخير بشتى صوره.
فإذا كان مردود العبادة من التقوى والخشوع لله - عز وجل - ضعيفاً أو ميتاً، فإن الهدف الذي شرعت من أجله العبادة لم يتحقق وبالتالي: تكون العبادة وكأنها لم تؤدّ.
ولنتأمل هذه النصوص القرآنية والنبوية:"فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أََوْ إثْماً فَأََصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"البقرة: 182".. وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.."
العنكبوت: 45.