فهرس الكتاب

الصفحة 3265 من 9994

إذن: لابد أن الأمر ليس بهذه السهولة أو البساطة، لابد من أن تُحقّقَ معاني العبودية لله - عز وجل - في عبادة الذكر ربما أكثر منه في تلك العبادات الأخرى، ولا يمكن أن يكون الذكر مجرد حركات سهلة باللسان ليس لها أي أثر على القلب ومن ثم على كيان صاحبها وواقعه.

إن الذي يقول (لا إله إلا الله) يرددها لسانه وقلبه مستحضراً للمعنى المراد من هذه الكلمة وهو الإقرار بالعبودية الخالصة لله وحده، الذي يقولها بهذه الصورة يحدث في قلبه وكيانه انخلاع من عبودية ما سوى الله، ثم تنجذب روحه إلى السماء ، إلى الله - تبارك وتعالى - محبة واتباعاً.

هل يتصور أن من يحدث له ذلك يطيع ما سوى الله في صغيرة أو كبيرة، أم يتبع هواه أو شهوته، أم يقع في قلبه خوف أو وجل من تلك الآلهة المزعومة، أو أي حب لها، وهل يتصور أن من تتوق روحه إلى الله، فيملأ حب الله شغاف قلبه ويتغلغل في جوانحه، هل له أن يعصيه، أو يتوانى في طاعته والتقرب إليه والتذلل بين يديه، لا يتُصور ذلك قطعا، فلأجل هذا كانت هذه الكلمة نجاة لصاحبها، إذا لم تصدر منه باللسان فقط بل صَاحَبَها حضور القلب وانقياد النفس، وذلك لا يكون إلا بمعرفة معناها، ومن ثم تأتي شروطها الباقية، ومن هنا أيضا: كان من حقق كلمة التوحيد تحقيقاً كاملاً، يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لأن من حققها بتلك الصورة، فإنه ولا ريب يطيع ربه - جل وعلا - طاعة لا يمكن معها أن تتجاوز سيئاته حسناته، فمن ثم يدخل الجنة بتلك الصورة المذكورة في الحديث.

وتأمل قول الله - عز وجل -:"إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَنْ أولئك؟"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلََى جُنُوبِهِمْ فلهذا كان من صفاتهم"وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فتكون النتيجة أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء وهو من أعلى وأجل صور العبادة، وقد ملأ خوف الله قلوبهم فشعروا بحاجتهم إلى مغفرة خالقهم وعفوه، فقالوا:"رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"آل عمران: 190-191".

فالذكر يكون بالقلب قبل أن يكون مجرد نطق باللسان، وذكر القلب هذا يحدث في القلب والنفس والعقل من أسرار العبودية وأحوالها ما يجعل القلب مراقباً لله عز وجل طيلة ذكره لله، وتلك أعلى مراتب العبودية، إنها مرتبة الإحسان، أي: أن تعبد الله كأنك تراه، والمحسن: المراقب لله في كل حين ووقت، في كل خاطرة وسانحة يبحث عن مرضاة الله في كل فعلة وقولة، بل في كل إرادة أو التفاتة تحدث من قلبه.

وبعد: فخلاصة ما تقدم بعبارة سريعة مختصرة: أن حقيقة الإيمان التي أُمرنا بها أن تتواطأ عبادة القلب مع عبادة الجوارح، فتتحقق عبودية القلب مع عبودية الجوارح، فنحسن العبادة باطناً كما نحسنها ظاهراً.

إذا تبينت أهمية ما تقدم، فلسائل أن يسأل ما هي الوسائل التي تقود إلى إحسان العبادة باطناً، أو بعبارة أخرى: كيف نبعث الروح في عبادتنا، ونجنبها الموت؟

الوسائل كثيرة ومتنوعة، ولكن حسبي أن أشير إلى بعضها:

1-حضور القلب قبل أو عند البدء بالعبادة: والفقهاء يتحدثون عن النية قبل الشروع في العمل ويعنون بها النية التي تميز العمل نفسه، كصلاة الظهر عن صلاة العصر، وصوم النافلة عن صوم الفرض.. وما إلى ذلك، ويتحدث أرباب التوحيد وأهل السلوك عن النية التي تميز المعمول له، وهو المقصود بهذه العبادة.

2-تحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله - عز وجل -: سواء أكان ذلك خارج العبادة أو حتى في أثنائها إن أمكن، وليس هذا مجال الحديث عن عبودية القلب لله رب العالمين، وكثير من الناس بل ومن بعض طلاب العلم وغيرهم من أهل الخير يغفلون عن هذا كثيراً، وهذا التحديث والتذكير نهر يمد القلب باللين والرقة والخشوع، فإذا شح ماؤه جف القلب ويبس ثم قسا، نعوذ بالله من ذلك.

3-التهيؤ للعبادة والاستعداد لها: والمثال الذي يوضح هذا وأثره: التبكير إلى المساجد لأداء الصلاة، وهذا التهيؤ المادي الجسدي يصاحبه ولا شك تهيؤ نفسي وروحي وقلبي، وفي حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التبكير إلى المساجد خير دليل على ذلك، والأحاديث كثيرة مشهورة.

ومن هنا نفهم كثرة ما ورد عن السلف الصالح في هذا الشأن، فهذا إبراهيم بن يزيد الفقيه عابد الكوفة يقول: (إذا رأيت الرجل يتهاون في على التكبير الأولى فاغسل يدك منه) [7"."

والتهيؤ يكون بحسب كل عبادة وما شرع فيها.

والحج كذلك له تهيؤ؛ فرد الأمانات والمظالم، والتخلص من الحقوق قبل الشروع في السفر كلها صور للاستعداد لهذه العبادة العظيمة، وكذلك تهيئة الزاد والراحلة والرفقة الصالحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت