فهرس الكتاب

الصفحة 3266 من 9994

والمتأمل في ذلك يجد الفرق شاسعاً بين من يؤدي العبادة دون استعداد بدني يصحبه تهيؤ قلبي ومن يأتي الصلاة مسرعاً حتى يدرك الركعة فيدخل في الصلاة ولم يسكن جسده من ذلك السعي، ولعل في نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن السعي بعد الإقامة إشارة إلى ذلك، وإلى أن يتفاعل الإنسان روحيّاً ونفسيّاً مع هذه العبادة تكون الصلاة أوشكت على النهاية.

4-الابتعاد عما يشوش القلب أثناء العبادة: ففي الصلاة مثلاً: نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المصلي أن يصلي إلى ما يشغله أثناء الصلاة (فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي) (8) .

ولهذا جاء النهي عن أن يصلي الإنسان في حضرة طعام أو وهو يدافع الأخبثين، كل هذا من أجل أن ينخلع القلب من علائق الدنيا وينجذب إلى حقيقة العبادة ويجتمع في قلب العبد وفكره ووجدانه الاتجاه إلى الله - تعالى -، ومثل هذه الأمور يمكن فعلها في عبادات أخرى. ليكون أدعى لانشغاله وتفرغه للعبادة، مما يؤدي لتفرغ قلب الإنسان للتوجه وللعبودية لله - عز وجل - أثناء الصوم.

5-المشاهد أن كثيراً من الناس يؤدي بعض العبادات بصورة تلقائية أقرب إلى الحركة الميكانيكية، فمثلا في الصلاة: ترى كثيراً منهم يدخل في صلاة النافلة فيقرأ دعاء الاستفتاح الذي يجري على لسانه، ومن ثم سورة الفاتحة، ثم تجري على لسانه إحدى السور الصغار التي يحفظها على ظهر القلب، وربما إذا سألته بعد صلاته ماذا قرأ، فإنه لا يذكر.

ولا تفكر الأغلبية العظمى من الناس مثلا في قراءة صيغة أخرى لدعاء الاستفتاح، أو في قراءة آيات أو سور من غير تلك السور التي تجري على ألسنتهم دون أن يتفكروا فيها أو يشعروا بها، مع أن السنة وردت بالتنويع في هذه الأذكار، فهناك عدة صيغ لدعاء الاستفتاح، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ من القرآن كله في تطوعه.

وهكذا في أذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار والعبادات الدورية التي وردت السنة بهيئات وصيغ متعددة لها.

إن التنويع في صفات العبادة بما يوافق السنة الصحيحة له أثر في طرد ما قد يطرأ على العبادة من صفة العادة والرتابة التي تضعف تأثير العبادة على القلب.

هذا والوسائل كثيرة ومتنوعة، لكن حسب الإنسان أن يضع هذه القضية نصب عينيه هدفاً منشوداً، وأن يحاسب نفسه فيما يتعلق بها، فكلما عمد إلى عبادة من العبادات عليه أن ينأى بعبادته أن تكون ميتة.

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يوفقنا للإخلاص في القول والعمل، ويرزقنا اتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، إنه سميع مجيب.

ـــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري.

(2) البخاري، كتاب الصوم.

(3) انظر صحيح الجامع، ح1622.

(4) أخرجه البخاري.

(5) أخرجه البزار وأحمد بن حنبل، ج5ص363، وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: ج1ص429 البيان.

(6) انظر: فيض القدير ج4ص211.

(7) انظر: سير أعلام النبلاء 8 انظر: صحيح الجامع، ح2500.

متى تقبل العبادة؟

لا تقبل العبادة إلا إذا توفر فيها شرطان:

1-الإخلاص لله.

2-المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:"وجماع الدين أصلان: أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال - تعالى: (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) ) [الكهف: 110] ."

وذلك تحقيق الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله؛ ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمداً هو رسوله المبلغ عنه؛ فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره"."

فمن أراد عبادة الله فلابد له من توفر الشرطين ولسان حاله يقول: (( إياك أريد بما تريد ) ).

قال الفضيل بن عياض - رحمه الله - في قوله - تعالى: (( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) ) [الملك: 2] ، قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه؟

قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.

فإذا فُقِد الشرطان أو أحدُهما بطلت العبادة.

وتوضيح ذلك بالمثال الآتي: لو أن شخصاً صلى لغير الله، وعلى صفة غير الصفة التي علمنا إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لردت عبادته، لماذا؟

لأنه فقد الشرطين معاً.

كذلك لو صلى كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي؛ بحيث أتى بصفة الصلاة كاملة، ولكنها صرفها لغير الله لبطلت عبادته، لماذا؟

لأنه فقد الإخلاص، والله - سبحانه - يقول: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) ) [النساء: 48] وقال: (( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [الأنعام: 88] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت